في أولِ عهدِي به عرفتُ عنه الصلاحَ بفضلِ ربِّه، عرفتُه معرفةَ إنسانٍ لإنسانٍ لا مُحبَّةٍ لحبيبٍ، عرفتُ عنه خِفَّةَ الظلِّ وطيبَ المُحيّا، رِقَّةَ القَلبِ وسلامةَ الرَّوحِ، ثم انقلَبَ حالُه ولمّا تحوَّلْ عنه إلى الآنِ.

وعرفتُ فيّ الأمومةَ والعطفَ على كل إنسانٍ ولا أظهرُ ذاك كي لا يَطمعَ طامعٌ ولا يفتتنَ ضعيفٌ أو قويٌّ، لكنِّي أُسدي النَّصائحَ بتحفُّظٍ أو أُعرِّضُ بها خِفيةً.

فلَبِثتُ أعرضُ حالَه عليّ فرأيتُه مُتقلِّبًا بينَ ما جعلَه خبيئةَ قلبِه من الحُزنِ وبينَ من فَقدَهم واحدًا تلو الآخر شجنًا وكَمَدًا.

فأرسلتُ من يُنبئنِي عن خُبرِه فأتَاهُ رَسولِي قائلًا: ما بالُكَ؟

فأخبرَ رَسولِي أنَّه ليس بخيرٍ لكن يدعو الله ويرجوه أن تمررَ عليه هونًا، لا فاقدَ ولا مَفقودَ آخر، أيامٌ أخرى من الهُدنةِ الدُنيويّة والنَّعيم الآخريّ.

فجاءني رسولِي بين يديّ يحكيني ما أرسلتُه به وإجابتَه، فكِدتُ أقول لَه: هونًا عليكَ، ألفُ ألفُ لا بأسٍ عليكَ ستمرُّ مرَّ السَّحابِ بين السماءِ، فألجمتُ لسانِي عنه؛ خِفتُ أن تمرَّ عليهِ فتأخذَه ولا يمرُّ هو بها فأكونُ مُقرِّبةً له تلك الصورةِ جاعلتَها سهلةً مُستساغةً لقلبِه، فأقعدتُ رسولِي وقلتُ له: اكتُب:

"يا أيُّها المقصودُ برِسالتي، سلامٌ عليكَ ما حييتَ ويومَ يردُّكَ اللهُ إليهِ راضيًا.

ما أعلمَنَا اللهُ بأسَ الأيامِ وظُلماتِ الليالِي ورَوعَ الفَقدِ ووحشةَ الفِراقِ ووِحدةَ النَّفسِ واجتماعَ الأحزانِ إلا لنعرفَ بهجةَ الأيامِ، وأنسَ الليالي، ووُد الأنامِ، وحُب الأحباءِ، وعِزّة النّفس والتجائها وحبها لخالقها وبارئها عزّ وجلّ.
فهوِّن عليكَ حُزنَك ذاك كله؛ وما التهوينُ بالتفاؤل والأملِ ونسيانِ الأحزانِ إنما التهوينُ بحمدِك وثنائك على بارئك الذي ابتلاكَ في غيرِ دينِك وفي غيرِ قلبِك فما عَظُم مُصاب امرئٍ إلا ابتلاؤه في دينه وقلبه.

وارضَ بما قدَّر لكَ في يومِك وفي نفسِك، فالحمدُ يُزيدُ ما عِندك ويحفظهُ لك، والرِضا وحسنُ الظنِّ بأقداره وحكمتِه تعالى يجعلك غميدًا محفوفًا برحمةٍ من اللهِ ولطفٍ منه.

ولا تبخلْ على نفسِك ببهجةٍ تُصيبُ قلبَكَ؛ فإن مازحكَ صديقٌ حبيبٌ فمازحه واخلط السعادةَ بقلبِك، وإن ابتسمَ لكَ طِفلٌ فابتسم له ودعِ اللُّطفَ يروي ثنايا رَوحِكَ، وإن ربَّت عليكَ عزيزٌ أو قريبٌ فاستشعرْ يدَ العزيزِ تربِّت على قلبِك وتُطمئنُهُ.

فإن عرفتَ من أنتَ فاكتُمها ولا تَبح بها، واشكرْ للهِ إن هوّنتُ بعضًا مما تجدُ؛ فهو رازقُكَ رسالتِي وحديثي هذا، وسلامٌ عليكَ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه."

ثم أمرتُ الرَّسولَ أن يذهبَ بها إليهِ دون اسمٍ عليها ولا تعريفٍ، فمعروفي هذا لا أريدُ به جزاءً ولا شكورًا.