"أين هو ذلك القلم اللعين ؟ لقد بحثت عليه في كل مكان فأين ذهب ؟ أعتقد أحيانا أن للأدوات عقولا تفكر بها للبحث عن المكان الأنسب غير المتوقع و المستحيل الوصول اليه للسقوط فيه ، و إن صحت هذه النظرية فإنني أبحث عن قلم عبقري ..
الساعة الآن تشير إلى الثامنة إلا ربع ، أي أنني أعاني منذ نصف ساعة بحثا عنه فما ان فتحت المكتبة و جلست في مكتبي حتى سقط مني مباشرة و كأنه هارب مني ..

 لا أدري لماذا أنا منزعج لهذه الدرجة بسبب قلم أملك منه أضعافا من نفس نوعه في فهذه المكتبة ، لكن ربما يعود السبب لأنني سئمت من فقدان أغراضي في هذه الأيام ، فبعدما سكنت في شقتي الجديدة رسميا قبل أسبوع بعدما قضيت أيام شاقة في تحويل ممتلكاتي من بيت والداي إلى الشقة ، تلك الأوقات المرهقة للجسد و الأعصاب التي تبدو لي الآن انها كانت من دون فائدة ، فحين أبحث عن سروالي المعتاد المفضل لدي ، لا أجد في خزانتي الجديدة إلا تلك السراويل المهلهلة الواسعة التي تعود إلى العصور الوسطى ، و ينطبق الأمر مع بقية الملابس فأنا الآن أرتدي جوربين مختلفين ، لكن السروال الطويل الذي وجدته يقوم بعمل ممتاز في إخفائهما .."

يضع ابراهيم القلم و يغلق مذكراته بعدما انتبه إلى دخول زبون إلى المكتبة ، نظر إليه ابراهيم و قال مبتسما : كيف لي أن أساعدك ؟
رد عليه الرجل و هو ينظر في أرجاء المكتبة الكبيرة : هل لديك كتب دينية ؟
_ نعم ، إنها في الجانب أسفل الدرج
_ آه حسنا ، هل لديك سلسلة البداية و النهاية ؟
_ نعم كاملة و بطبعة حديثة .. تعال معي لتفقدها
يذهب ابراهيم أسفل الدرج و يتبعه الرجل محركا رأسه يمينا و شمالا و هو يقرأ عناوين الكتب و الروايات المعروضة ..
يصلان الى ركن الرواق فيتوقف ابراهيم مشيرا الى سلسلة كتب "البداية و النهاية" ، نظر إليها الزبون متعجبا و هو يقول : إنها سلسلة ضخمة !
_ نعم السلسلة تتكون من 21 كتاب
_ حقا ؟ من كتبها ؟
قال ابراهيم مستغربا : ابن كثير
_ هل هو دكتور أو ما شابه ؟
_ آه ، لا هو عالم كبير ، لقد مات قبل أن يُخترع شيء إسمه الدكتوراه
_ آه إذن هذه كتب قديمة
_ نعم أعتقد أنك على علم بذلك
_ لا ، لم أكن أعرف ذلك
_ لكنك تعرف موضوع السلسلة .. صحيح ؟
_ آه تتكلم عن علامات الساعة .. أليس كذلك ؟
يدخل طفل إلى المكتبة فرآه إبراهيم ، أشار للزبون بالإنتظار قليلا و انطلق مسرعا إليه قلقا أن يعبث بالأدوات التي قضى ليلته السابقة في تنظيمها ، و صل الى المكتب و قال للطفل : ما تريد ؟
رد عليه : أريد قلم سيالة من النوع الكبير ذو ستة ألوان
فكر ابراهيم قليلا ثم أجاب : للأسف الأقلام الكبيرة موجودة في غرفة السلع الخلفية ، ما رأيك أن تقوم بجولة صغيرة و تعود لي بعدما أنتهي مع ذاك الرجل
رد عليه الطفل : لا بأس سأنتظرك هنا
قال له ابراهيم مصرا : ستكون مدة طويلة و ستسئم جدا من الانتظار فقم بجولة او ارجع للبيت و عندما تأتي عندي ستجد قلمك جاهزا
قال الطفل مستاء : حسنا سأرجع بعد قليل
ابتسم له ابراهيم و رجع الى الرجل و قال : أين كنا ؟
_ لقد سألتك عن إن كانت الكتب تتحدث عن علامات الساعة
_ آه نعم إنها تحتوي على هذا الموضوع فقد تطرقت السلسلة الى كل شيء منذ بداية الخلق الى نهايته
_ حقا ؟ لا عجب إذن في ضخامتها
_ اسمح لي أن أسألك .. أنت الزبون الوحيد عندي الذي أراد ان يشتري سلسلة كتب كبيرة كهذه و هو ليس لديه أي فكرة عليها ، فهل هي هدية لشخص ما أم ماذا ؟
_ ههه لا ليست هدية فأنا أود الشروع في القراءة و أردت أن أبدأ بكتاب يتكلم عن أمر أهتم به .. كنهاية العالم و علامات يوم القيامة ، و قد اقترح علي أحد القارئين هذه السلسلة في الفيسبوك ..
_ حسنا فهمت الآن ، مرحبا بك في عالم القراءة اذن 
_ هه شكرا لك ، كم هو سعر السلسلة كاملة ؟
_ انه مكتوب هناك
نظر إلى السعر ثم إلى وجه ابراهيم مندهشا و قال : يا إلهي ، إنها باهضة جدا جدا
_ نعم إنها باهضة على حسب حجمها و معلوماتها و طبعتها الرفيعة
_ لم أكن أعرف أن الكتب غالية الثمن إلى هذا الحد ، لا بد أنك ثري !
رد عليه ابراهيم مقطبا حاجبيه : كتب كهذه قد بذل كاتبوها جهدا جبارا أثمن من هذا السعر و من أسعار كل الكتب في المكتبة
_ هاه أنت صاحب المكتبة فالطبع سيكون هذا رأيك ، أما رأيي .. فأعتقد أن الكتب يجب أن تكون أرخض من ذلك بكثير خاصة في عصر المعلومات هذا

د عليه ابراهيم بحزم و غضب يحاول كتمة : هل ستشتري أم لا ؟

_ هل أنت جاد ؟ هاه بالطبع لا ! لا أعتقد أنني سأدخل مكتبة مرة أخرى إلا إذا أصبحت مليونيرا أو أكثر
_ حسنا ، إذن تستطيع الخروج الآن فلدي عمل أن أقوم به
ابتسم الرجل له و خرج من المكتبة دون أن يلتفت ، و ما إن قام بذلك حتى دخل ذاك الطفل فقد كان مترقبا خروجه ..
رآه ابراهيم و قال : هل أكملت جولتك بهذه السرعة ؟
الطفل : نعم ، أنت تعرف أنه لا يوجد مكان لأتجول فيه في هذه المنطقة
ابراهيم : معك حق ، انتظر هنا و لا تفعل شيئا ، سأحضر لك القلم الكبير
الطفل : حسنا
ذهب ابراهيم و فتح باب الغرفة الخلفية و راح باحثا عن علب الأقلام الكبيرة التي أتته البارحة في وقت متأخر حتى وجدها بعد مدة قصيرة ، فأخرج منها قلما و أتى به إلى الطفل الذي دفع له و عندما همّ بالخروج وجد قلما على الأرض فحمله و سأله : هل هذا قلمك ؟
رآى ابراهيم القلم و قال : يا الهي نعم نعم .. أين وجدته ؟
الطفل : لقد كان بقرب المكتب ملقيا على الأرض ..
ابراهيم : حقا ؟ هه شكرا جزيلا لك
رد عليه الطفل أن لا شكر على واجب ، و خرج من المكتبة و تمشى بضع خطوات حتى سمع صوت ابراهيم يناديه فرجع اليه و قال : ماذا هناك ؟
_ تعال هنا أريد أن أتحدث معك بسرعة
دخل الطفل المكتبة للمرة الثالثة و قال : ماذا ؟
_ ما إسمك ؟
_ أنس
_ أنس ، إسم جميل .. أريد أن اعطيك هذه القصة القصيرة ، قد أعجبتني كثيرا عندما كنت في سنك
_ حسنا ، كم ثمنها
_ لا سأهديها لك .. مجانا
_ حقا ؟ شكرا لك
_ لا شكر على واجب ، و اذا اعجبتك تعال للمزيد
ابتسم و قال : هذا رائع شكرا
و خرج من المكتبة ، أمسك ابراهيم القلم الذي عانى في البحث عنه و فتح مذكراته و بدأ يكتب :

 "يبدو أن القلم لم يكن عبقريا بعد كل هذا بل أنا الغبي الذي بحث في كل مكان و لم أبحث في الركن الذي كان بقربه قبل أن يسقط ..

الحمد لله الذي أرسل لي ذاك الطفل ليجده ، فأنا متأكد أنني كنت سأجن بدونه، و الآن أنا أشعر بسوء أنني طردته من أجل ذاك الأحمق الذي لا يفقه شيئا في الكتب و أراد أن يبدأ بسلسلة ضخمة كالبداية و النهاية ، ثم تجرأ و اتهم الكتب بغلاءها عن قيمتها الحقيقة ، و اتهمني بالثراء ، فلو كنت ثريا كما يقول لعيّنت عمّالا للبيع و التعامل مع حمقى كأمثاله الذين لا يعرفون قيمة الكتب .. لا عجب في أن بلادنا على هذه الحالة المزرية مادام أناس مثله يمثلون الأغلبية ..
كم أتمنى أن جيل أنس الصاعد يختلف عن هذا الجيل ، و يستطيعون أن يحدثوا تغييرا في هذه البلاد ، لكن هذا الإحتمال بعييد جدا ، فنحن نثبت جدارتنا كل مرة في التوصل إلى طريقة تزيد من حالتنا فظاعة في كل النواحي .."