أحد المفاهيم اللي من ساعة ما اتولدت وأنا بشوف ناس بتتكلم عنها، وأنا كان عندي هاجس تجاه بعض المعاني بيقولي إنه لا طائل من القراءة فيها وكانت السعادة أحد المعاني دي. ولأسباب مُرَكَّبَه يطول شرحها أنا كنت بحس إني لو قرأت عن السعادة قبل ما أحققها مش هقدر أحققها وأحد الأسباب دي إني كنت مقتنع -معرفش ليه- إن الناس اللي بتبحث عن السعادة في الغالب تعساء وإن الناس السعيدة مببهتموش يقولوا إنهم ناس سعيدة بالإضافة لإنك هتقرأ لمين طيب؟ الفلاسفة؟ ازاي هتقرأ عن السعادة لناس انت معتقد أصلا إن نزعتهم الفلسفية هي نتاج ألم ومعاناة؟!

المهم إني من أيام اتسألت سؤال أنا كنت بسأله لنفسي زمان ملخص معناه كالتالي: "أنا لو عملت الصح هتعب ولو تعبت هتضايق ولو اتضايقت مش هبقى سعيد.. إذًا أنا لو عملت الصح مش هبقى سعيد.. ومن هنا السؤال.. هل أنا لو عملت الصح هبقى تعيس بالضرورة؟"

كان في في طريقي في حياتي بعض الإجابات على التساؤل دا، لكنها مكنتش مقنعة عندي، زي إن الألم جزء من اللذة أو إن بدون التعب مش هندرك معنى الراحة وكلام كله بينزل أرض الواقع بيبقى ماسخ.. لازالت اللذة اللي بحصل عليها بعد الألم مش كافيه للوصول للسعادة، لازالت الراحة اللي بحصل عليها لو اتقارنت بمقدار التعب مبتظهرليش كصفقة ناجحة!

طيب إيه الخيار البديل؟ الرضى؟ الرضى برضو مش بيوصل للسعادة، الرضى هو إنك توافق على المقدر ليك، فهو زي اسمه "رضى" مينفعش نلبسه ثوب "السعادة" عافية، بالإضافة لإني بسأل عن السعادة وانت جي تقولي السعادة هي الرضى بالتعاسة، لو معندكش تعريف سليم قول، لكن متغيرش في المفاهيم عشان تسكتني وخلاص.

أنا بسأل عن السعادة اللي هي ليها لذة ومتعة مبتنتهيش، سعادة لا يشوبها شيء، أنا اتولدت لقيت نفسي عاوز أحس بالشعور دا، عندي فراغ داخلي مش هتملاه غير لذة لا تنتهي، وانت بتقولي ارضى بتعاستك.. لأ مع احترامي ليك فا أنا أكرملي أروح أشرب مخدرات، عالأقل المخدرات ليها لذة حقيقية مادية ومتعة لا يشوبها شيء وراحة خام ومفيش حاجه في عالمنا لذتها ومتعتها بتدوم قدها..

خيار اللجوء لحاجه زي المخدرات يكاد يكون أكتر خيار منطقي واضح لمعظم الناس، خيار الغرق في المادة من مخدرات وخمرة وجنس وشذ.و.ذ وغيره يكاد يكون أكتر خيار منطقي لأي إنسان بيبحث عن سعادة ولذة حقيقية يقدر يحس بيها ويعيشها بعيدًا عن الناس اللي مصممة تقنعه إن رضاه بتاعسته سعادة أو إن التعلم الشاق المُرهِق سعادة أو إن العبادة اللي هي مليانة مشقة ومعاناه سعادة، اللي بيقول بالحاجات دي أكثر غرابة ولامنطقية من اللي بيعمل محرمات عشان يحصل على لذة ومتعة!

لكن السعادة أكيد موجودة في مكان ما، أكيد في لذة مبتنتهيش ومتعة مبتخلصش، يستحيل يكون ربنا خلقلي الرغبة المتعطشة للسعادة والمتعة واللذة والراحة اللي مبتنتهيش بدون ما يخلق حاجه تشبعها، أصله لو مفيش حاجه تشبعها يبقى ليه خلقها عندي من الأول؟ ليه خلقني مدفوع بالفطرة تجاه شيء مش موجود؟ إيه الحكمة من كدا؟

والحقيقة هي إنه في لذة مبتنتهيش وفي متعة مبتخلصش وفي راحة أبدية وسعادة خام، كل دا موجود من قبل ما ربنا يخلق سيدنا آدم حتى، موجود في الجنة.. وقبل ما تستنتج إني بقول إن مفيش سعادة أو راحة في الدنيا ولا بقول تعالوا يا شباب نسيب الدنيا تمًا ونزهد كلنا فيها ونلبس الحتة الصوف وناكل عيش بزيت -ودا مش ذم- عاوز أخطفك لمعنى يخص الدنيا والآخرة، معنى يخص الحياة ككل.

انت كمسلم عندك خطاب قرآني بيعظَّم من شأن الاخرة في كل مرة بيذكرها فيها، وبيحقر من شأن الدنيا في كل مرة بيذكرها فيها.. طيب إيه علاقة دا بموضوعنا؟ الأمر وما فيه إن الحقيقة بتقول إنه يستحيل بأي وسيلة من الوسائل تحقق السعادة الأبدية المتخيلة دي غير في الجنة، ويستحيل تحققها في الجنة طول ما انت متصور إنها موجودة في الدنيا، لإن السعي لتحقيقها في الدنيا والإنشغال بيها بيبعدك عن سبل تحقيقها في الاخرة؛ لإنه تحقيق السعادة بيتم عن طريق تحقيق متطلبات الجنة، ومتطلبات الجنة علم وعمل وعبادة وتحقيق دول مش بيتم وانت لاهث ورا إصباع رغباتك.

دا مش معناه إن مفيش راحة وضيق في الدنيا، هم موجودين، لكنهم متقلبين طول الوقت، لا انت ولا الدنيا مهيئين لاستيعاب راحة ولذة وسعادة مبتنتهيش، بل إنك لو مرمغت نفسك وراها بالعافيه هتلف تلف وتلبس في حيط فتزداد تعاستك، ودا كان وصف جوكر لما اتكلم عن نهاية تجربة المخدرات قال: "والقطر مبيقفش وأتاري الكيف محطة.. دنيا تسيب تسيب تلم الدين في حطة.. لبس واحد واحد منا في حيط وشطب.. فواحد واحد منا رجع البيت يبطل".

ولذلك محدش بيقولك خليك تعيس، احنا بنقولك ببساطة مفيش هنا غير سعادة محدودة، وكلنا كبشر عاوزين السعادة واللذة الغير محدودة دي، اوعى تفتكر إن اللي بيكلمك عن الصبر دا مش عاوز، دا شرقان زيه زيك، لكنه معندهوش خيار تاني، الجنة موجودة عشان نرغب فيها، والقرآن مخباش عليك دا، القرآن قعد يعددلك لذات ومتع الجنة وقالك إن فيها متع مش في الدينا كمان، بيجرِّي ريقك ومبيخبيش دا عليك يعني..

والقران حتى لما جه يتكلم عن السعادة والشقاء ربطهم ربط مباشر بدخول الجنة والنار مخباش دا عليك برضو، في سورة هود ربنا سبحانه وتعالى بيقول: " يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ"

بكل وضوح ربنا بيقولك: " فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ" .. " وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ"

أما بخصوص الدنيا فا انت مقدرلك قدر من الوسع وقدر من الضيق كدا كدا هتتحرك من خلالهم، رزقك ومش هتاخد غيره، وهنا ييجي مقام ذكر الرضى، انت في الدنيا بتسلم أمرك لله وبترضى باللي مكتوبلك عشان تعدي للجنة، وممكن جدًا اللي مكتوبلك دا يكون شاق وصعب، ودا أصلًا الاختبار، لكن اللي بتاخده في الدنيا انت بتاخده عشان مقدرلك مش عشان أي اعتبارات تانيه، الكافر بياخد المقدر ليه حلوه ومُرُّه والمؤمن كذلك والدنيا مش دار جزاء فطبيعي يكون فيها التباين دا..

قد يكون المؤمن بيتعب أكتر في الدنيا لإنه بيطمح للآخرة وبيعتقد إن مفيش راحة تستحق يتجري وراها في الدنيا وإنه لا عيش إلا عيش الآخرة، فبيصبر وبيتحامل وبيبذل بدون ما ينتظر جزاء دنيوي، وممكن يزهد فيه كمان لو جاله، زي ما الرسول زهد في ملك الدنيا، لكن دا مش معناه إنه ضروري يعيش تعيس، دا مفهوم فاسد عن الإيمان والبذل، إنه بيورث التعاسة بالضرورة، وأبسط دليل على فساده سؤال بسيط.. تفتكر ليه في ناس بتعيش تتعلم وتعلم وتبذل وتضحي وتصبر وتجاهد، فكرك إنهم مش عارفين إن في جنة في انتظارهم بيطمحوا ليها، فكرك إنهم عندهم تعاسة خام وبؤس مبينتهيش؟ الناس دي مش غبية زي ما انت ممكن تكون متصورهم، هم يا باشا اللي بيختاروا التعب بمحض إرادتهم، واللي بيخش السباق دا بيموت نفسه عشان يزيد جزاءه، بيضحي بكتير من راحة دلوقتي -اللي بالمناسبة يقدر يحصل عليها- عشان راحة بعدين، فهو بيظهرلك تعبان وتعيس، لكنك هتشوفه بعد كام سنة عايش قصر في الجنة مبسوط والفرحة مش سايعاه.

انت كدا كدا مهما اتشتت هتفوق على حقيقة إنك إما تسلم أمرك لله وتبذل اللي يريحك بعدين، وهتاخد من الدنيا نصيب بالمناسبة برضو كدا كدا، أو إنك تعجل بالبحث وتتلهي عن الغاية الحقيقية من الكام سنة اللي انت عايشهم هنا وتنسى وتغفل، وتلبس في متاع الغرور، أو إنك بقا تقلبها شيطنة وكفر وكبر وقلة أدب، وبرضو مش هتاخد هنا غير نصيبك مش هيزيد مللي وبعدين تعيش في عذاب وذل أبدي..

انت أوريدي موجود هنا، وانت أكتر واحد شايف الخيارات المتاحة ليك، وانت اللي هتختار، وانت اللي هتُجازى، ولا يظلم ربُّك أحدا.