عصفت الذكريات بدولة بعدما رأت صورة من رسم أنها فأرادت أن تعرف عن أمها كل شيء،لقد حنت لتلك الروح التي لم تقابلها إلا مرة  بلقاء واحدا بعد انتظارهما هذا اللقاء تسعة أشهر، لكن لا وقت لذلك عليها الذهاب لتحضر نبتة الشبرق لوالدها كما يجب. 

_جدتي! كيف كانت أمي؟ احك لي عنها..

*نظرت إلى السماء ومرت أمامها الذكريات فقالت *

=كانت صابرة..

_صابرة! على ماذا ؟

*نظرت لدولة ثم وضعت يديها على كتفها وقالت *

_هيا نحضر زادك وأخبرك بما أردت..

*ذهبت تودع أباها وقد قبلته على جبينه وأخبرته أنها ستقوم برحلة شاقة لأجله، وأخذت الزاد والكساء وبعض الكتب المحبرة؛ حتى تقرأ في رحلتها ولا تضيع وقتها وغير المحبرة حتى تدون بها ما تستخلصه *

كانت اللوحة التي رسمت شذر خلفها الخريطة مع دولة وكانت دولة تتبع النجوم التي رُسمت عليها كدليل على الطريق..

مضت ساعتان على دولة وهي في طريقها لجلب النبتة..تتذكر فيهما دولة ماقالته بوائك لها قبل أن تذهب :

=تذكري يادولة! أن لك هدفا من الذهاب،فلا تفكري في العودة قبل أن يتم لك ما أردتِ، وتذكري أن من سعى في خير وُفِّق له، ومن سعى لشرٍّ ذاق منه.

لتكن نواياك كلها في الخير، وتذكري! الطرق صعبة والمشقة يهونها الرفيق وأنت بلا رفيق فاتخذي من كل شبر تخطين عليه رفيقا.

هذه بذور.. ازرعيها وسترينها وأنت قادمة قد أنبتت وقد أحيت بشرا و حيوانات ضالة أو عابرة أوشكوا على الموت من شدة الجوع.

الخير كل الخير فيمن وهب حياته للسعادة سواء لإسعاد نفسه بكل خير يعمله أو لغيره بمساعدته.

الخير فيمن معه وأعطى وفيمن غنم ولم يبخل وفيمن كان كريما وأكرم وفيمن كان سيدا ولم يتجبر، الناس مخطئون وخيرهم من ندم وأصلح.

لا تسعي في تنغيص حياة أحد فتذوقيه علقما، ولا في قتل أحد فتحبي الدماء وتسعين فسادا ويقسو قلبك ، وما أدراك ما القسوة! إن أقواما أحبوا وعشقوا وتبدل عشقهم مكائدا.

إن وجدت جائعا فأطعميه وإن وجدت عاريا فاكسيه وإن وجدت مريضا فداويه والخير فيك يا دولة.

*جلست دولة لتعطف على قدميها وجسدها اللذين تورما من شدة الحر والتعب *

فتحت دولة زادها وأكلت ثم قامت بعدها لتكمل طريقها الشاق! وفي عقلها يدور كلام جدتها بوائك كأنها أمامها..

=أبشرك ياابنتي.. لا شيء سيقف عليك مادمت صابرة، ولأنك من صلب أم كانت فطرتها القوة والعلم،كانت أمك لا تتأفف،كانت مطيعة وكانت تتفانى في خدمتي وقد جمعتني بولدي بعد فقداني الأمل في رؤيته.. كانت جميلة مثلك... دائما كانت تغني لك وكان تُطرب ساكني الصحراء بصوتها... كنتِ كثيرة الحركة في بطنها فكانت تغني لك :يا عقرباء لا تقتربي من طفلتي وابتعدي يا شمعتي لا تنطفئي يا حمام ابق هنا ولا تعادي طفلتي، وكنت تهدئين من فورها وقبل أن تقبض روحها أوصتني بك خيرا وبشرنبث.. ومن وقتها حفظت تلك الأغنية ودائما كنت أنشدها لك حتى تنامي وحتى إن كان صريخك يسمعه كل من بات في الصحراء، كنت تنامين عند سماعها..

لم أكن أحبها كما أحب شرنبث، لكن بعد موتها اكتشفت أنها ليست كما كنت أعتقد وعرفت أنها كانت تستحق كل الحب... كانت تتحلى بالقوة والنضال، ما من أحد أحب والدك كما أحبته هي....

*وقد سألتها دولة حينها وأرادت أن تسهب في الحديث لأنها استأنست الكلام عن شذر.. فقالت لها جدتها :.... *

=دولة! لا مجال الآن لكل تلك الحكايات وتلك القصص، والدك يحتاجك ويحتاج منك أن تعجلي خطاكِ لأنك إن تأخرتِ فربما يفوت المعاد! لابد أن تذهبي الآن يادولة!

.....

بدأ الليل وحلك فأرادت دولة أن تخيم لتنام ليلها وكعادتها تقرأ قبل النوم كتابا.. فتوقفت عند سهل وجمعت بعض خشب متناثر من حولها وأوقدته ونصبت خيمتها وجلست لتقرأ.. وقد أوشكت ليلتها أن تنقضي وهي لم تنم منها ساعة.. فحاولت أن تنام ونامت.

*استيقظت على صوت رغاء وراعي وزوجته وتحدثا معها وقد كانت لهجتهما غريبة عليها إلا أنها فهمت منهما القليل وقد أخبرتهما أنها على سفر للبحث عن دواء لعلاج والدها *