مضت دولة في رحلتها على ناقتها الجديدة فرحة بها لقد حملت عنها  ما تجده من عبء السفر والمشي على الرمال الحارة لمسافات طويلة.

كان طريقها شاقا وطويلا ظلت فيه تفكر كيف تلك المملكة وكيف ذاك الزعيم ، لم يكن الراعي وزوجته على علم بمرض الزعيم لكنهما دلاها على كرمه ولطفه بهما وكيف يجيب من يسأله ولا يرد يدا لمحتاج...

الطريق طويل والناقة تضجرت ودولة لم تكن ذات خبرة كبيرة، ولكنها أحست بذلك لما انتبهت لصوت رغائها وقد كانت شاردة تفكر.

فوجئت بالغروب يحل عليها والناقة متعبة من الطريق، فاختارت دولة مكانا مناسبا لنصب خيمتها، ونصبتها ثم أحضرت طعام الناقة وأطعمتها وسقتها وجلست أمامها ورصت كتبها والناقة تنظر على الكتب أكثر من الأكل، ثم أكلت دولة بعد ذلك وبدأت في القراءة ، وكان كتابها تلك الليلة عن النباتات وكان عنوانه "النباتات المعالجة"

كانت دولة تقرأ بنهم وشغف، وتريد اكتشاف أو مصادفة إحداها في طريقها فتجمعهم، لكنها كانت تفكر أكثر وتريد أن تصل إلى النبتة التي أخبرتها عنها جدتها "نبتة الشبرق" التي ستعالج بها والدها الذي فقد ذاكرته.

استوقفتها بعض النباتات المعالجة طيبة الرائحة كالقيصوم،وما أثار عندها المتعة أكثر أن الكتاب كان مليئا بالصور الخاصة بتلك النباتات، ظلت دولة تدون اسم كل نبتة وأمامها اسم المرض الذي تعالجه وكل ما تشعر بأهميته حتى لا تنساه، ثم رفعت رأسها للسماء فوجدت شهبا، ففزعت ثم هدأت بعد اختفائهم لكنها حينما نظرت للسماء أحبتها فاستلقت على ظهرها وبدت وكأنها ترسل جوابا للنجوم بعينيها اللامعتين الكبيرتين.. وقالت :

_شذر! أين أنتِ من بين تلك النجوم؟ وكيف حالك وحال من رحلوا عندك ؟أنا خير من تعلم أن تلك الحياة قصيرة! أنا أشعر بروحك قريبة مني، كأنها روحي أو كأنك أنا، كيف كانت ملامحك؟ كيف كان وجهك؟ أنا لا أعرف كيف كنتِ لكنني أشعر بك داخلي، شذر! لو كنتِ معي لكانت تلك الصحراء نهرا عذبا، كيف يحب المرء شخصا لم يره؟

*سكتت قليلا ونهضت ثم بكت وقالت *

_أمي! لو تسمعين صوتي فأنا أحبك، لا أدري هل روحك في قلبي أم في عقلي أم جواري؟ أم أن لي قلبين وأحدهما لك؟

_ شذر! عليك أن تعودي؛ لأراكِ ثم اذهبي..

*اغرورقت عيناها بالدموع أكثر ثم قالت *

أيها الملك الأعظم :إني وهبت حياتي وكياني؛ لخدمة الخير، ولتقديم المنافع للبشر،ولن أخون عهدي، ولكنني أرجو منك رجاء وأعلم أن خيرك واسع..

أريد أن أرى شذر وأسمع صوتها فقط.. أرجوك!

*ثم استلقت مرة أخرى على جنبها الأيمن ونامت*

بعد ساعات : بدت الشمس المشرقة بأشعتها الذهبية وبدأ كل كائن يتلون بلونه الطبيعيّ بعد أن ساوى الليل بين جميع الكائنات ولونهم بلونه الأسود.

وقد أشرقت مع الشمس عين دولة، وقلبها وقامت سعيدة بهذا الصباح وقامت ناقتها أيضا وأعدت دولة طعاما لها وللناقة وأكلت ثم بحثت عن ماء فلم تجد إلا قليلا وباقي الأواني فارغة.

هي تعلم أن ناقتها تستطيع تحمل العطش لكنها لم يعجبها أن تتركها بدون ماء، فوضعت متاعها على ظهر الناقة وحملت كتبها، ثم سحبت ناقتها من خطامها وظلت تحدو

رأت دولة عن بعد شارة كأنها شارة بئر فذهبت إلى هناك وسقت بعيرها وملأت الآنية وشربت وفجأة سمعت أصواتا عالية فنظرت فوجدت سحابة من البشر يقدمون عليها ويجرون إبلهم من خلفهم ليسقوها.

خافت دولت لأنها لم تعتدْ البشر بهذا الكم الكبير فركبت سريعا على ناقتها وأومأت إليها أن تحركي ولكن أحدهم ترك إبله وجرى خلفها مفزوعا قائلا لها بصوت عال بنبرة التهديد :

انتظري انتظري وإلا تركت سهمي في ظهرك .

فزعت دولت ونظرت خلفها ثم أوقفت الناقة ونزلت وسحبت ساترا ووضعته على شعرها وقالت :

_لماذا تريد أن تقتلني؟

=جُرّي هذه الناقة بيدك أمامي وعند رئيس القبيلة سنعرف إن كنتِ تستحقين الحياة أم لا!

_ رئيس القبيلة! لم؟ ماذا فعلت أنا؟

* أخذها الرجل وأخذ ناقتها وبعد أن سقى الناس دعا فيهم قائلا :

_ أيها الناس بعد أن سقى كل منكم إبله فليحصرها عددا ومن رأى أن إبله قد نقصت ولو عقالا  فليخبرني.

*ثم أومأ إلى أحد الحاضرين أن أخبر رئيس القبيلة أن إحداهن من النساء من غير قبيلتنا قد سرقت ناقة عليها وسم القبيلة *

تأكد الجميع من أعداد الإبل وأكدوا جميعهم أنها ليست ناقصة فأخذها الرجل إلى رئيس القبيلة وقال : رأيتها يا رئيس وقد كانت تهرب بناقة عليها وسم القبيلة بعد أن سقتها من بئرنا..

_هل فعلتِ يا بُنَية؟

=لا لم أفعل..

_أنا أتفهم موقفك، لكن إن أخبرتيني الحقيقة سأعفو عنك.

=أنا أخبرتك الحقيقة ولا أكذب.

_لكن.. خيرا يا بنيتي، دعيني أرى الناقة أولا بنفسي.

*خرج رئيس القبيلة ليرى الناقة وقد رأى عليها وسم القبيلة بالفعل ولكن لما سألهم جميعا عن إبل ناقصة فالكل أجاب أن إبله كاملة*

ذهب عند ساحة الخيمة فوجد رأسها في التراب وقد قيد الرجل يديها خلف ظهرها.

فغضب غضبا شديدا لذلك، وأمره بفك قيدها فورا وأن يتحمل ثمن كسوة جديدة لها ويعوضها ماديا عن إهانتها..

ومن هنا عرفت دولة كيف يكون العدل وكيف يكون الجور... نظر عليها رئيس القبيلة وقال لها :

= بنيتي! كل تلك الإبل التي تحمل وسمنا هي تخص أحد أفراد قبيلتنا ، أخبريني هل اشتريتيها من أحد؟

_لا! لكن أحدهم أهداها لي نظير عمل وخدمة قمت بها...

=منْ منَ الحضور؟

_لا! ليس منهم ،لقد صادفت رجلا وزوجته في أول الطريق وقد بت عندهم ليلة وأرادوا أن يكافئوني على مساعدتي في طريق سفري فأهدوها لي.

=كم عمرك؟

_عمري أربعة آلاف كتاب . 

=أقصد سنك.

_هذه السنون تقاس بالعلم والتجارب..

=صدقتِ! يبدو لي عقلك المنير.. لكن أين تعلمت ومتى ومن علمك؟

_يا رئيس القبيلة هذه الأسئلة تأخذ وقتا من حياة مريض يتألم وأنا في رحلتي لا بد أن أصل فورا؛ لأن الوقت يمر بسرعة، أرجوك إن أردت الناقة خذها لكن دعني..أرجوك..

= لا يجوز لي ذلك يا بنيتي، لكن إن أردت أن نساعد مريضك نفعل..

_علاجه نهاية الصحراء بعيدا ولن يصل إليه غيري.. أرجوك خذ الناقة لا أريدها ودعني لا وقت..

*انتفض الرجل من مكانه وقال*

= أنت تحدثين رئيسا عادلا، ولن يظلمك، لقد ترك الرجال رجلا مع زوجته في آخر الصحراء ولم ينتبه لهما أحد وتلك الناقة تخصهم ولابد أنهم سيأتون ويلحقون بنا بعد يوم أو اثنين، وستنتظرين معنا حتى يظهر الحق وإن كنتِ صادقة سنعوضك وإن كنتِ كاذبة فستعرفين عقابك.