*لم يتسع الوقت للحديث الطويل مع الراعي وزوجته فقد قامت دولة لتذهب، ولكنهما أراد تضييفها وقد ظنا أنها في العشرين من عمرها لطولها ونضارة وجهها، فأراد الراعي أن تبقى معهما هذا النهار فلم توافق وأخبرتهما أن الطريق يطول وأنها تريد الذهاب قبل أن تتعامد الشمس فزودوها بالحليب وبعض اللحم المقدد فأخذت اللبن وتركت اللحم، وقد رأت دولة الراعي وقد بدى عليه الامتعاض لرد هديته فأخذت اللحم وفي نيتها أن تطعمه لأي عابر جائع تراه في رحلتها *




وقبل أن تحمل دولة متاعها سمعت زوجة الراعي تقول لزوجها : 


_باز البوْس وتكاد الشطحة تأخذ كل إبلنا..وإن لم تعالج الإبل فإنا ميتون.


*فلما رأت حيرة الراعي وشكوى زوجته فكرت دولة أن تعرض عليهما المساعدة وكانت دولة على علم بالطب البشري والحيواني، لكنها إن بقيت لتعالج إبل الراعي لن تكمل طريقها والنبتة تنمو في هذا الأثناء وبعد يومين من اكتمال نموها تحصد كلها فإن تأخرت دولة ربما لا تأخذ من تلك النبتة عودا واحدا تعالج به والدها *




لكن دولة تذكرت قول جدتها لها قبل أن تذهب : لابد أن تساعدي المحتاج، لا تتركي عابرا يحتاجك ولا تبخلي بعلمك على الناس وإن رأيت مريضا عالجيه، فقررت دولة أن تعالج الإبل وتنقذها من الموت الواقع عليها بلا شك، ولما عرضت المساعدة عليهما وافقا ورحبا، ومكثت عندهم نهارا وليلة،ولولا أنها ساعدتهما لتشردا لموت كل الإبل.




عالجت دولة الإبل واستغرقت النهار كله، نصب الراعي خيمة كبيرة وأصر أن تنام دولة بها وطلب من زوجته أن ترافقها ليلتها. 


وفي تلك الليلة دار بين دولة وزوجة الراعي حوارا عظيما عن المملكة وحاكمها، وقد كانت زوجة الراعي ذات يوم خادمة في القصر وبعد انتهاء فترة خدمتها عفا عنها الزعيم هي وزوجها وقد أعطاهما بعض الإبل حتى يعيشا على خيرها *




_ كم هو كريم يادولة!

= أوافقك... ما اسم هذا الزعيم؟

_كل الرعية تلقبه بالزعيم العادل أما اسمه شملال. 


= ومن يقصده من بعيد يعطيه ما يريد؟


_ لن تري في رحلتك في الدنيا رجلا مثله، عليك فقط أن تتحلي بقواعد المملكة والأخلاق وانظري كيف يعاملك.


= وكم تبعد المملكة من هنا؟


_ مسيرة شهر أو يزيد. 


= وتلك النبتة أيضا طريقها يأخذ مسيرة شهر.


_إن ذهبتِ عنده وطلبتيها وعلم بمرض والدك لن يردك أبدا. 


= أريد لكن... هل تعرفين مقدار علمه؟


_لا أدري عنه نفسه.. لكن بالقصر مكتبة عظيمة بها أكثر من مليوني كتابٍ وهناك عالم آخر كأنها جنة، فالكتب مرصوصة بشكل رائع .. ولا يسمح لأحد بدخولها إلا للمعلمين وهم يقضون وقتهم بها والزعيم يكرمهم دائما وكلما ألفوا كتابا جديدا أو كشفوا أمرا غامضا يحييهم أمام الحشود ويشيد بهم، وهو يعرف قيمة العلم جيدا ويعلّم شباب المملكة ومن ينبغ منهم يجعله إلى جواره في مجالسه، وكان يُخصص لنا موعد نتعلم فيه القراءة والكتابة. 


=ولم كنت تخدمين هناك؟


_كنت صغيرة حينها وقد ضل والدي الطريق فتركني وذهب ليبحث عن أية دابة ضالة تحملنا أو طعام نقتات منه، فمشيت قليلا فوجدت قصرا وكان سني آن ذاك خمسة عشر عاما وكانت ضفائري مكشوفة غير مستورة، فأخذوني الحراس وكان محرما ذلك عند الزعيم وقانونه ألا تمشي فتاة أصغر من عشرين عاما وحدها ولا تكشف الفتيات شعرهن ومن تفعل ذلك تعاقب، وقد كان العقاب قبل توليه الزعامة هو السجن لكنه خففه عند توليه وغير الكثير من القواعد التي سنها والده قبل موته... قال : إن السجن ليس مكانا للفتيات. 


وجعلهن يخدمن في الصباح القصر ويتعلمن آخر النهار وكانت الخدمة تعليما لنا، لم أشعر أنها عقوبة في يوم ، وبعد أيام من خدمتي في القصر وجدوا جثة أبي وقد رأيت الحراس يحملوها فبكيت، فسمع الزعيم بكائي، وأخبرته بقصتي وأبي.


فأكرمه الزعيم ودفنه في مدافن الوزراء،وبعد أيام قلص عقوبتي وأراد أن يزوجني وخيرني فاخترت زوجي وأعطانا بعض الإبل ورفع عنا العقوبة.




= يا لعدله وكرمه! لكن أنا إن ذهبت عنده ربما تأسرني حراسه لكلا الأمرين.




_لا بأس، خذي ساتري ومتى وصلتِ هناك ضعيه على شعرك، ولكن ما الأمر الآخر؟


=عمري، أنا صغيرة. 


_لا، أنت لست أصغر من العشرين فبالتالي لن يحكم عليك.. 


=بلى! عمري عشر سنوات. 




*تفاجأت زوجة الراعي من سن دولة لأن وجهها وقامتها وعقلها ليسوا من الصغر في شيء.... 

مرت تلك الليلة وأيقظت دولة زوجة الراعي وأخبرتها بالرحيل فأعدت لها متاعها وجهزت الناقة وزودتها بالخير وودعتها *


*قبل أن تودع دولة زوجة الراعي  عرضت عليها ناقة تحملها حيث أرادت فلم توافق فأصر الراعي على ذلك وقد أعطاها ناقة لبون مسوح حتى تشرب لبنها في مسيرتها وعلمها كيف ترعاها*


انتهى. 


باز البوْس :ترحل القوم من مكانهم لمكان آخر 


الشطحة :داء يأخذ الإبل في صدورها فلا تكاد تنجو منه.