اليوم ليس كباقي الأيام التي أخرج فيها من الجامعة أشق الشوارع متخبط الخطوات،مختنق الأنفاس أنا اليوم على استعداد ان أخطو ألف ميل برجل واحدة من شدة فرحي، لقد نسيت المعاناة بمجرد أن نلت تقديرا من أستاذي في كلية الشرطة، لقد قال لي بصريح العبارة سيكون لك مستقبل زاهر في تخصصك هذا يا رامي.لقد جال بخاطري في هذه اللحظات أن أذهب إلى الأرياف إشتقت للهواء النقي ولبيت جدي القديم،
عند وصولي.. كعادتها عمتي تستقبلني بالفرح وتغمرني بدموع الإشتياق.فهي تعيش وحيدة ولا ونيس لها غيري.
خرجت لأستنشق هواء الريف ولأتمتع بمناظر جباله و أبسطة هضابه الخضراء ومروجه الماسية، حقا شتان بين المدينة وصخبها و الأرياف وهدوئها، إلا سيدة عجوز في السبعين مرت من جانبي وكأنها رعد بلا مطر،كثيرة السباب، ترمي الصغار بالحجارة وتتوعد الجميع من شدة غضبها
قالت للأطفال من حولها سأفتك بكم كما فعلت بِرَاماَ
لم تمر عليا هذه الكلمات مرورا عابرا كما مرت على الأخرين الذين كانو يستمتعون بالنظر إليها من باب الفضول أو المشاهدة فقط.
عدت للمنزل وارتديت قناع المحقق الذي لم يتخرج من جامعته بعد:
_عمتي، من تكون تلك المرأة العجوز المزعجة التي تسكن جنب الوادي وتسب الاطفال؟

_لا أعلم عنها كثيرا، لكنها سيدة تعيش وحيدة منذ زمن و لا أهل لها،هي لا تحب أن يلعب الأطفال بجوار منزلها لذلك تجدها غاضبة.
_و من تكون راما؟
_راما؟! راما؟!... نعم. تذكرت.. إنها ابنة زوجها التي كانت تعيش معها، لكن لم يراها أحد منا منذ أن مات والدها، وهذه العجوز قالت أن راما ذهبت للعيش مع خالتها بالمدينة.

تركتُ عمتي تقوم بطهي الطعام وخرجت متجها للوادي.حيث منزل هذه العجوز.
بجانب الوادي توجد منازل معدودة لكنها متباعدة عن بعضها، وقفت في مكاني لا أدري أي منزل منهم تسكن.
بعد لحظات قليلة عادت حاملة بين كتفيها حزمة من الحطب
ذهبت بتجاهها مسرعا وسألتها:
_لما هذا الحطب الكثير يا عمة، ألا تملكين موقد غاز؟الأرياف لم تعد كما قبل!
نظرت إلي بعيون متدحرجة متأججة بنيران الغضب قائلة:
_ابتعد يا هذا من طريقي أنا لا أخاطب الغرباء.
دخلت إلى منزلها وبعد أن قفلت الباب عليها سمعت صوت الأقفال، إنهاكانت تقفل الباب عليها بأكثر من قفل..
لقد أثارت في مخيلتي الشكوك، وكنت على اليقين التام أن وراء هذه العجوز لغز كبير مفتاحه داخل ذلك المنزل فقط.
في صباح اليوم التالي وبعد أن تناولت مع عمتي فطورا ريفيا بامتياز،ذهبت مع سبق الاصرار والترصد إلى بيت العجوز، طرقت الباب ووقفت أنتظر، كنت أسمع خشخشة وكأنها تفتح كيسا أو ماشابه ذلك.وبعد طول انتظار..
ابتعدت قليلا وجلست على زاوية مقابلة لمنزلها وبعد لحظات لمحتها تطل من النافذة وكأنها كانت تتأكد من عدم وجود أحد على الباب،
وأخيرا خرجت من منزلها الغريب هذا، كانت تمشي بخطوات سريعة رغم تقوس ظهرها وكبر سنها، مشيت وراءها حتي بلغت التل المطل على الوادي ثم التفتت إلي دون أن تتفاجأ، قالت لي بصوت حاد:
_كنت أعلم أنك من طرقت باب منزلي وأيضا شعرت بتتبعك لخطواتي منذ البداية ما خطبك؟ وماذا تريد مني؟
في حقيقة الأمر أصبت بالذهول، لم أتوقعها أبدا بهذا الذكاء والحرص وهذا ماجعلني أتلعثم في الحديث قائلا :
_أنتي إمرأة مسنة وأنا أراك تحملين حطبا كثيرا في كل مرة إلى منزلك ووددت أن أقدم لكي المساعدة فقط، ثم ردت علي بنبرة صوت هادئة هذه المرة:
_أستطيع أن أخدم نفسي جيدا دون مساعدة أحد.

يتبع...