سَماء مُلبّدة بغيوم كثيفة ، سرعان ما أعقَبتها أمطار غزيرة ، وماهي إلا لحظات بسيطة حتى  انشقت أشعة شمس ذهبية زيّنت زُرقَة السماء المتوّجة بالغيوم البيضاء .

منظر ساحر استَرق ناظِرَيّا بُرهة من الزمن ، ولسان حالي يُتَمتِم في خشوع : سبحان الله ... سبحان الخالق المصور.
مشهد أعاد لذاكرتي كلمات جدتي الطيبة التي كلما صادفت نفس الحالة الجوية ردّدت قائلة : " إنه عرس الذيب "
قَولة كنّا نضحك عليها كثيرا في صِغرنا ونُعيد ترديدها في صخب وقهقهاتُنا تسبقنا "عرس الذيب.. عرس الذيب..."
دون أن نَعِي معناها .
حتى أن الأمهات كانت كلما وجدت أحد الأبناء يأكل الطعام من القدر مباشرة دون سَكبِه في الصحن تَصيح به مُقَرّعة إيّاه على فعلتِه :"لا تأكل في القِدر وإلا سيهطلِ في عُرسك المطر كعرس الذيب".
"عرس الذيب " هذه القولة التي طالما ظلّت عالقة بذهني وتساءلت عن المقصود منها ؟
ماذا كان يقصد الأجداد بالعبارة ؟
وماهي القصة وراء "عرس الذيب" ؟
نقول:" عرس الذيب" عندما تتمازج قطرات المطر مع إشعاعات الشمس الذهبية راسِمة بذلك قوس قزح متلألئا بألوان زاهية من ألوان الطيف .
لكن رغم أنّ الصورة العامة الظاهِرة تُنبِئ عن لوحة فنّية بديعة الجمال ومتكاملة التّناسق ؛ إلا أنها في ذات الوقت تختزِل بداخِلها لَمحات خَادِعة .
وفي اعتقادي أن هذا ماكانت تلمّح له الجدّات الحكيمات ؛ فجَدّاتُنا الحبِيبات غالبا ما كُنّ يُلقين عبارة "عرس الدين " على مسامع الأطفال وهم يلهون في الشتاء، يركضون هنا وهناك، ويتقافزون مع قطرات المطر السخِيّة ...
كانت الجدّات يَهمِسن بتلك الكلمات المُبهَمَة وهن يُرسِلن رسالة لهم ألاّ ينخَدِعوا بروعة الجو ، ولا يَغتَرّوا بالتِقاء الشمس الساطِعة بحبّات المطر الناعمة ، فكل ذلك ماهو إلا دفئ خادع .
في حين أنّ الطقس فيما يسمى ب "عرس الذيب" قد يكون المرء فيه أكثر عُرضة لنفحات البرد القارِسَة ولسعات الريح التي قد تبدو خفيفة لكنها في الوقت ذاته قد تكون مؤذِيّة لقَصَبَات الإنسان الرئويّة .
وهذا ما قد يتسبّب للكثيرين في موبان زُكام مفاجئة ؛خاصة الأطفال منهم .
"عرس الذيب" أسطورة قد تحمل الفرح في ظاهرها وأشياء أخرى في طيّات حِكايتها المتناقِلة عبر الزمن .
لكن الأمر الذي على الجميع أن يتذكره ولا ينساه أن القصّة قِصّة ذئب ولَعل الكل يُدرك ماهيّة الذئب ؛ فأينما وُجِد الذئب تواجد المكر والخداع .

وتبقى عبارة:" عرس الذيب "  تَتَواتَر بين الناس مابَقِي الزمن  وتَتمازج الحكاية؛بين الأسطورة المجتمعية وبين حكايا الجدات السّمحَات التي تحمل في طيّاتها حِكمة متوارية تحتاج لبصيرة سليمة لكشف الحجاب عن رسائلها المشفرة ..