الخميس ثاني يوم صيام في رمضان ؛15 أبريل 2021 الموافق ل 02 رمضان1442.
يوم ممطر ظلت الأمطار تتساقط فيه حتى بعد الإفطار
أجواء تُشعرك بالسكينة ؛ أمطار خير وبرد خفيف يطبطب على روحك وأنت تمشي فيه ، تتراشق وجهك قطرات المطر ، وتتجاذب الرياح مظلتك ؛محاولة فك تمسك يديك بها ؛ وكأنها تخبرك أن تستمع ببرودة الطقس وتسمح للأمطار أن تبلل ملابسك وتغسل قلبك من همومه.
مهلا ليس الآن أمامي عمل علي أن أصل إليه وهندامي غير مبعثر بفعل الأمطار؛ لكن سأسمح لهمومي أن تذهب بعيدا مع مياه الأمطار الجارية ، سأتركها خلفي وسأكتفي بمراقبة أمطارالشتاء من نافذة الحافلة التي وصلت للتو.
أحرص في كل مرة أصعد فيها إلى الحافلة أن أجلس بالمقعد الذي يجاور النافدة لأتامل الطريق والسماء وأشرد في أفكار كثيرة.
الآن وأنا أراقب الأجواء الممطرة من خلف النافذة ينتابني إحساس بالطمأنينة ، أردد سرا سبحان الله .
تتسلل إلى دواخلي مسرّة خفية ويهمس لي صوت شجي بعيد :" كل شيء بخير ، سيكون كل شيء بخير ، سيأتيك الله بالخير وخيرا مما تظنين " .
بمناسبة الحافلة قبل أن أنسى وأشرد مع تساقط المطر كعادتي .
في الصباح وأنا في الطريق؛ كادت سيارة أن تصطدم بنا ؛ والحمد لله قدّر الله ولطف ولم  تصب سوى المرآة الأمامية بخدش بسيط .
الحمد لله على لطف الله وحفظه .
وأنا أحمد الله على لطفه تذكرت اسم اللطيف هذا الاسم الذي يذكرني بجدي رحمه الله
في صغري كنت أسمع جدي يردد كثيرا اسم اللطيف فدائما على لسانه : " يا لطيف يالطيف يا لطيف ..."
وكذلك أذكار وأدعية وسور من القرآن الكريم لكنها كان ملازما لاسم اللطيف.
كنت أستعجب حينها كيف لجدي الشيخ الكبير الطاعن في السن أن يتذكر كل هذه الأذكار والسور ولم ينساها من بين جملة ما نسى وهو المصاب بداء الزهايمر وكان ينسى حتى أسماء أبنائه وبناتهم ولا يميز حتى ملامح وجوههم عن غيرهم بل وينسى متى أكل وهل أكل أم لا !
في كثير من الأحيان كان ينادي علينا ويتساءل هل أذن الظهر؟ ومرات عندما نذهب له بوجبة الفطور أو الغذاء يقول إنني صائم أتريدون أن أفطر في رمضان ؟ مع أنه يوم من الأيام العادية
لكن الشاهد أنه كان يتذكر الصلاة والصيام وكذلك الأرض الفلاحية التي يملكها وينسى مادون ذلك .
وهذا ماكان يشكل عندي غرابة وحيرة ، عندما كبرت أصبحت أتساءل كثيرا عن حياة جدي قبل أن يمرض وكيف كان حاله ؟ حيث أنني لم أعقِل عليه إلا وهو في سن متقدمة ومريض وفارق الحياة وأن لم اتجاوز الثانية عشرة من عمري .
فكيف كان حاله .
تخبرني في اختصار : " كان في حاله "
لم تكن هذه العبارة المختصرة تشبع فضولي ؛فأصر أكثر بالأسئلة : كيف ذلك؟ كيف كان في حاله؟ احكي أكثر ...

تقول مجيبة : كان هو جدتك لا يتركان يوم اثنين ولا خميس ولا أيام البيض إلا وكان صائمين فيهما.
كان يكرم كل الضيوف الوافدة عليه ، كلما حضر ضيف هرع ونحر شاة من الشياه المتواجدة عنه
كان كل من مر بجانب بيته يدعو لشرب الشاي حتى أطلقوا عليه كنية " بُوتُايْ" وكلمة " أتاي " باللهجة المغربية تعني الشاي .

_وعندنا في المغرب صينية الشاي لا تُرفع من فوق المائدة دائما تكون جاهزة لاستقبال أي وافد .._
كان لا يتدخل فيما لايعنيه ، ولا يحب القيل والقال ولا الخصام .
كان كثيرا ما يسعى للإصلاح بين المتخاصمين .
كان يسامح في حقوقه من أجل الابتعاد عن النزاعات
كان كلما جار عليه أحد وظلمه يكتفي بقوله " خَلّيتْك لله "
بمعني " تركتُك لله " .
وهناك كثير من القصص التي تروى ممن عاشوا معه وعاشروه عن كيف كان يرجع له حقه عاجلا أو آجلا
حتى البعض كان يحذر من يريد به سوءا بقولهم " ابتعد عن السي أحمد فإن نيته ستغلبك "
رحمك الله ياجدي رحمة واسعة
وصدق من قال صاحب الخير خيره باقي .


▪ حرّر النص وكتب يوم ٢رمضان  ١٤٤٢ الموافق ل ١٥ أبريل ٢٠٢١.

ولم يتم نشره في وقته لظروف خاصة بكاتبة هاته اليوميات .


▪إليكم رابط اليومية الأولى :

https://rqi.im/2PvB