في كل فصل صيف، إعتاد مايك زيارة قريته الريفية البسيطة ، للمشاركة في مهرجان حصاد القمح ، المشهور ة بجودته في كل البلاد، لكن في السنوات الثلاث الأخيرة، لم يعد يحس ببهجة المهرجان، ورغم ذلك ، فالحنين لازال يناديه،وعلى جسر عتيق ، وقف وحيدا، أشعل سيجارته المحترقة مسبقا،ونفث في الهواء دخانا كثيفا، متحسرا على ذكريات ومضت ، بدا ذابلا، تائها في الماضي البعيد، فجراح الفراق لم تندمل بعد،

شرد بعيدا، متذكرا تلك الأمسية الساحرة على ضفاف نهر القرية، أمسية، شهدت احتفالات صخبة لسكان القرية بنجاج موسم القمح لتلك السنة ، و شاهدة على لقاءهما الأول، بدت له كنجمة مضيئة بين العشرات من الزهرات الحاضرة في المكان، تبسمت له، فسحرته.

لم ينتظر طويلا، ليتقدم لخطبتها، وبشكل مفاجئ، رفضه والدها، لأنه عسكري و غريب لم ينشأ بينهم، لم يستسلم، كرر المحاولة، مرة، تلو مرة، إلى أن لان الرجل و خضع للأمر الواقع و وافق، و حدد موعد الزفاف في الموسم المقبل للحصاد..

مرت سنة ، ولم يبقى عن موسم الحصاد سوى أسبوعين، رتب مايك و خطيبته كل ما يتعلق بزفافهما، و فجأة،طرق بابه زائر لم يكن لا في البال أو الحسبان، حياه تحية عسكرية،ثم أعطاه رسالة عبارة عن إشعار للحضور للخدمة العسطرية والمشاركة في الحرب العالمية الثانية، ثم رحل،صدم مايك وتلجم لسانه، ولما عاد لواقعه، لحق به ، فوجده لازال على الجسر،أوقفه وخبره أن موعد زفافه قريب، ثم ترجاه أن يخبرهم أنه لم يجده ، لكن الرجل رفض وبصرامة دفعه عنه.

لم ينم تلك الليلة، وهو يفكر في الوعد الذي قطعه عن نفسه، وانه مهما صار لن يتخلى عنها، لكن واجب الوطن أقوى، حل الصباح و اتجه لحقل القمح، حيث تحب خطيبته التنزه في كل صباح، وجدها وحيدة هناك، رأته فحيته،تأملته فبدت لها عيناه متعبتان لعدم النوم، ووجهه شاحب، أعطته كرسي ليرتاح، لم يستطع الصبر،ما ان جلس حتى اخبرها بنداء الوطن، اعتذر منها، ثم اخبرها أنه يحس بالإحراج لملاقاة والدها، فطلب منها إخباره بضرورة تأجيل موعد الزفاف لحين عودته من الحرب، لم تبدي أية ردة فعل، و اكتفت فقط بالصمت.

لم تمر على الحرب إلا سنتين، حتى أصيب في قدمه اليسرى، فتم إعفاءه، من المعركة مع تعويض كبير، فعاد سعيدا لقريته، كانت وجهته لمنزل خطيبته، كان يعلم أن والدها سيغضب ولكنه سيلين كالمرة الأولى ويصفح عنه، لكنه تفاجأ بمشهد لم يتوقعه، رآها في حديقة منزلها مع خادمها، تلاعب صغيرا يكاد يقارب السنة من عمره، فنادت الصغير بابنها، تسمر مكانه، فهي لم تنتظره ولم تحبه كما اعتقد في تلك الأمسية، انتبهت لوجوده،وبنظرة فاترة رمقته، كأنها لم تعرفه يوما ثم عادت لمداعبه صغيرها غير مبالية.


مشاركتي

لم أستطيع إرفاق مجموعة من الصور فاكتفيت بصورة واحدة