إن الكثير من البرامج التلفزيونية وفي مواقع التواصل الإجتماعي كالتيك توك على سبيل المثال، ترسخ ثقافة التفاهة التي تولد تلبد الفكر وضعف العقل وبساطته، والجمود الثقافي، فهل المواطن يساهم دون ان يدري في ذلك! حتى أصبحت ثقافة التفاهة تسيطر على الحياة اليومية للبشر وتأخذ من جهد عقولهم الكثير فتجد الناس يقضون أغلب ساعات أعمارهم في جدال ونقاش وخصام أحيانا حول أجمل قميص وأفضل حذاء رياضي وآخر صيحات الموضة الرجالية والنسائية والشبابية وأجمل ......
التفاهة المنتشرة في عالم اليوم. إن التافهين أصبحوا قدوة للأجيال القادمة حتى أصبح العالم مهددا بتأبيد وتأييد سلطة التفاهة أو ميديوقراطية Médiocratie تتكون من كلمة “Mediocris” اللاتينية التي تعني “متوسط الذكاء، أو سيء القدرات، أو قليل الموهبة، أو ضعيف المهارة، أو الرديء، والدنيء” ، وهي كلها تم تلخيصها في التعبير النبوي الجامع:" الرويبضة" التي سأل عن معناها صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال لهم:" هو الشخص التافه يتكلم في أمر العامة"، أما المقطع الثاني فهو كلمة “kratos” اليونانية والتي تعني الحكم والسلطة والهيمنة.
إذن هي حرفياً حكم التافهين (الرويبضة)
نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يقرن زمن ظهور الرويبضة (التافهون أو السفهاء) بانهيار النظام الأخلاقي، إذ يؤتمن الخائن ويُخوّن الأمين ويُكذب الصادق، ويُصدق الكاذب، ثم يظهر هذا السفيه ليتكلم في أمور العامة، وهو أجهل من حمار أهله.
العلامة اللغوي بن منظور في كتابه الأشهر:" لسان العرب" يقول: "الرويبضة: هو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها، والغالب أنه قيل للتافه من الناس لربُوضِه في بيته، وقلة انبعاثه في الأمور الجسيمة".
يقول الكاتب الساخر الكبير جورج برناند شو، كانت له مقولة مهمة جدا... وواقعية جدا حيث يقول: " اذا قرأ الغبي الكثير من الكتب الغبية سيتحول الى غبي مزعج وخطير جدا.... لأنه سيصبح غبي واثق من نفسه وهنا تكمن الكارثة."
اصناف التفاهة:
لايعيب الرجل إلا جيبه؛ هذه الجملة في قمة التفاهة.
الذي يعيب الرجل : قلة تربيته، قلة دينه، قلة عقله وقلة رجولته، فالمال لن يجعل منه رجل، كل من يحيط به بصفة مؤقتة إلا لسبب ماله، لو افلس! لن يجد ريح واحد منهم، ولكن لو كان يملك الرجولة، لوجد رجال في اكتافه، هذا عيب المقولة.
اصبح للتفاهة معايير صادمة، تؤكد انها تطورت في وقت قصير دون ان نلاحظ ذلك، المظاهر والبريستيج في الجنائز، ومراسم الدفن من مأكولات وافرشة وحتى الحلويات، اصبحت اهم من المييت ونفسية اهل الميت، التي قلَّ عندهم الشعور بالفقد، وعيونهم على التفاهات.
النظر إلى ملابس الشخص اهم من الشخص ذاته، ونقد مظهره اهم من اخلاقه وادبه وعلمه وتربيته، قال أدولف هتلر ” أن العقول الفارغة تحكم على المظاهر” .
ناهيك عن الزواج الذي اصبح حفل الزفاف اهم من الحب، والصخب اهم من هدوء عش الزوجية، وجهة نظر المجتمع اهم من رأي الدين 💔
"نحن نعيش اوج عصر التفاهة، حيث عقد الزواج اهم من الحب، ومراسيم الدفن اهم من الميت، اللباس اهم من الجسد، والقداس اهم من الله."
ادوارد غاليانو .
ان ضعف التفكيرالجمعي ادى إلى ضعف المحتوى في مختلف مواقع التواصل الإجتماعي التي تقدم البرامج السخيفة لا تنمي شخصية الفرد من كل الجوانب، سواءاً كانت ثقافية أواخلاقية او دينية، بل تتسبب في تكوين جيل مقلد للتافهين سوى في الحديث او اللباس او الجسد وبرامج تذيع الضعف لا تفيد بل تضر المجتمع وتأثر فيه سلبا، ونحن أيضا كمجتمع نساهم بالبحث عن التفاهة وننشرها ونشجع نشر الفضائح والغناء التافه والموضوع المائع، لقد كثر ومع الأسف صناع التفاهة فنجدهم في التمثيل، والغناء، والانستقرام والتوتير والفيس بوك. وتنتشر التفاهة بواسطة صناع التفاهة وبشكل رهيب.
قال فريدريك نيتشه ” نسيان الغاية هو أكثر أنواع الغباء شيوعاً ” . نسينا غاية الشهرة الهادفة، وتحطمت طموحات الكثيرين
بتنصيب "نجوم تفاهة" في الحرب المعلنة ضد كل ما هو مفيد وهادف في مواقع التواصل الاجتماعي فترى النتيجة أن شبابا من دولة عربية سألهم أحد الصحافيين عن لاعبي كرة القدم وعن نجوم التفاهة فأجبوا باستفاضة حتى مل الصحافي وبعدها سألهم عن الخلفاء الراشدين فلم يعرفوا فيهم واحدا.
للأسف فإن صناع التفاهة يجدون محبيهم ومسانديهم وجمهورهم وهكذا يحولون التافهين الى مشاهير ، وتسلط عليهم وسائل الاعلام الضوء وتصنع منهم ابطال ومشاهير.
السؤال لماذا هذا الإصرار على نشر التفاهة في المجتمع بكل الطرق؟
السبب الأول والواضح هو الجهل والغباء المتفاقم والمخيم على أدمغة المشجعين للتفاهة، يقول ابى علاء المعري
(ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا.. تجاهلت حتي ظن انني جاهل فوا عجبكم يدعي الفضل ناقص ووأسفكم يظهر النقص فاضل)
ابا علاء المعري.
تشويه صورة المجتمع:
إن التركيز على التفاهة يتسبب في تثبيت ثقافة التفاهة بين أطفالنا الذين هم رجال المستقبل وتصبح صورة المجتمع مشوها مقلدا لمن شهرته التفاهة، ويغيب عمدا المبدعين في الفن والتمثيل والرسم والمتألقين في الطب والهندسة والفيزياء وغير ذلك من الميادين، وهذا لم يكن لينجح لولا الجمهور المتابع لهاته التفاهات.
مسؤولية بعض الحكومات في تغذية مستنقعات التفاهة بعد افساد الإعلام العمومي في بعض بلدان العالم الثالث مما سبب في وصول المجتمع الى مرحلة جعل من فنان تافه بطلا ولا يلتفت او يذكر مبدعيه وعلمائه ولا يعطيهم أي اهتمام بينما كان على الإعلام والمجتمع الإهتمام بمبدعيه وعلمائه ودعمهم، فهل أصبح مجتمعنا يدعم التفاهة.
لمواجهة ظاهرة شهرة الحمقى
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه " أميتوا الباطل بالسكوت عنه"؛ ونحن كمستخدمين للمواقع الاجتماعية علينا تجاهل هؤلاء لكي لا يزداد حجمهم؛ فخطورتهم أصبحت في أنهم أصبحوا قدوة للأجيال المقبلة؛ وكانت أكبر حملة مواجهة للقضاء على الظاهرة في الغرب بإطلاق حملة " لا تجعلوا من الحمقى مشاهير" لكن لا يمكن أن نحارب ظاهرة تقوم على الجهل دون محاربة الجهل نفسه في بلداننا الإسلامية العربية.

آن الأوان أن نغير سلوكنا ونتعاون جميع لنتغلب على التفاهة وعلينا ان نثور على الرداءة وننقض المجتمع ومستقبل أبنائنا من اجل مستقبل أفضل