مراجعة رواية العمى.

لخوسيه سراماغوا.

رواية من 380 صفحة صادرة عن دار المدى سنة 2002 مترجمة من قبل محمد الحبيب.

تبدأ الرواية بسرد هادئ يحدّثنا فيه الكاتب عن سيارات تقف عند الإشارة الضوئية. ثم فجأة تنقلب الموازين إذ يصرخ أحدهم من داخل سيارته " أنا أعمى أنا أعمى"

حد هذه اللحظة من الممكن لنا تخيّل أن الكاتب سيروى لنا أحداث ستتوالى في حياة الرجل الذي عمي و كيف سيغيّر هذا الحدث حياته. لكن الصدمة الحقيقة تتولّد حين نكتش أن الكاتب سيأخذنا الى عالم آخر عالم كل من فيه أصابهم العمى إثر إنتشار وباء مجهول الأصل.

قد نستطيع تخيّل حياة شخص ما قد أصابه العمى لا بل قد نتخيل حتى التغييرات التي ستطرأ على حياواتنا لو ما فقدنا يوما حاسة البصر، بل إن حتى البعض قد يغمضون أعينهم في محاولة لاختبار قدراتهم على التعرف إلى المكان المحيط بهم . لكن أن يعمى الجميع فذلك أمر يصعب تخيّله مما يجعل فكرة الكتاب فريدة و مميّزة.

لا تكمن الغرابة في فكرة إنتشار العمى فقط بل في نوعه أيضا، إذ لطالما تخيلنا العمى كالغرق في بحر سواد دامس لكن الكاتب يحملنا الى عمى أبيض كالسباحة في بحر من الحليب كسطوع شموس ترفض أن تنطفئ.

تتدرج الأحداث من محاولة الحكومة السيطرة على انتشار الوباء إذ زجّت بالشخصيات الرئيسية للقصة في مشفى مجانين إلى مرحلة انتشار الوباء كلّيا حيث لم يبقى مبصرا سوى زوجة الطبيب و هي إحدى الشخصيات الرئيسية للقصة.

ينتقد ساراماغو الحكومة والنظام الاجتماعي بشدة إذ يبرهن على ان الدولة لا تسعى لمساعدة الأفراد بقدر ما تسعى فقط لإحكام سيطرتها على الوضع.

كما أبرز كيف تنعكس سياسة الدولة على الحالة النفسية للشعب إذ كتب " إن الدليل على انهيار المعنويات العامة صدر عن الحكومة نفسها إذ أنها غيّرت استراتيجيتها مرّتين في غضون ستة أيام "

نلاحظ أن سراماغو لم يعطي للشخصيات أسماء خاصة بل تم وصفهم بأدوارهم أو صيفاتهم " الطفل الأحول" "الفتاة التي ترتدي نظارة سوداء" . و كأن العالم كما عرفه هؤلاء قد إختفى و إختفت معه أهمية الأسماء حتى المشاعر لم تعد أكثر من مجرّد استعارات لمشاعر شخص كان مبصرا.

بنى الانسان العالم كما يعرفه و بنى صورته عن الأخلاق و الإنسانية مرتكزا فى ذلك على المعطيات التي يتلقاها من حواسه. يجعلنا ساراماغو نطرح سؤالا هل إن معنى الانسانية سيتغّر لو أننا فقدنا أحد حواسنا ؟

يرسم الكاتب للعالم بعد إنتشار الوباء صورة كارثية بعيدة عن الانسانية . أو ربما هنا علينا أن تساءل هل كانت الانسانية في تلك الحالة من الفوضى آخذة في صناعة طرقا جديدة للتأقلم و التطور؟ هل أن الانسانية كما نعرفها شيء ثابت أم هو قابل للتطور حتى و إن كان تطورا نحو الأسوء؟

هل أمام الأوضاع التي ذكرت و أمام إنهيار كل الضوابط الأخلاقية و الإجتماعية المتعارف عليها، ما زلنا نستطيع أن نعتبر الإنسان إنسانا ؟

نلاحظ تمسك بعض الشخصيات بمفهومه عن الانسانية والكرامة مثل " الكهل ذو العين المعصوبة" إذ حاول عدم الانحدار نحو تلبية غريزة البقاء فقط .

يحضر الصراع بين قيم الخير و الشر بقوّة في الرواية لكن السؤال المطروح هل يبقى لهذه القيم معنى أمام الانحدار الذي عرفته الانسانية في الرواية؟ ألا يثبت الوضع أن هاته القيم نسبية و متحولة . فزوجة الطبيب إمرأة طيبة و بالرغم من ذلك فقط أغلقت باب مخزن الاغذية في وجه عميان آخرين فهل تجعلها رغبتها في النجاة شريرة ؟ أم أن الكاتب يريد أن يبرز أن الذات البشرية بطبعها شريرة ؟

يطلق الكاتب مع كل تصعيد سلسلة من الأسئلة الخفية التي تجعلنا نغوص في عالم الرواية أكثر دون أن ننسى أننا نتحدث عن رواية خيالية فقد تعمد الكاتب تذكير القراء بذلك أثناء السرد.

تنتهي الرواية بعودة الرؤية فجأة كما ٱختفت فجأة لكن ما يميز هذه العودة هو الوعي الذي ٱكتسبته الشخصيات بعد المحنة و الذي مررته نحو القارئ إذ يستنتج العميان في النهاية أن العمى الحقيقي هو غياب المعنى و ذلك أساسا ما جعل الإنسانية تنهار.

إذ يقول الكاتب في النهاية " لا أعتقد أننا عمينا بل أعتقد أننا عميان يرون بشر عميان يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون "

اتسمت الرواية بالطول نسبيا فرغم تفرد الفكرة و قوة الحبكة إلا أن بعض الجمل كان يمكن اختزالها أكثر.(ربما يعود ذلك للترجمة) نلاحظ غياب علامات التنقيط و الاشارة للحوار ما يجعل فصول الرواية تمتد لتكون قطعة واحدة و كأن الكاتب يواصل فكرة ان لا أهمية لشكل النص إن كان المحتوى يتكلم عن العمى .

الرواية عامة رائعة تحملنا على التساؤل و التحليل.