تأخذ أشكال الدعايات لأنواع العطور مساحة واسعة في وسائل الإعلام و هي تؤكد العلاقة التي تربط بين العطر و الجاذبية . وقد تجد في الذاكرة الشمية لدى نسبة عالية من الناس اهتماما خاصا بعطر ما، يوحي بعطر شخص يهمه .
يقول مثل قديم:" إن لدى الإنسان أذنا جيدة و عليه أن يطور لنفسه أنفاً جيداً "، و لكن أنوف الناس اليوم تختلف كثيراً عنأنوف الناس في الماضي، بسبب كثرة أنواع العطور و تلوث البيئة بالنفايات الصناعية، و أهمها مشتقات النفط، و مع ذلك يمكن أن تجد من يقول لك:
إن تلك المرأة التي عبرت في سيارة مسرعة في الشارع القريب كانت مزودة بعطر " كوكو شانيل " و لكن الناس لا يستطيعون مجاراة الأحياء الأخرى، الكبيرة و الصغيرة ، في شم الروائح و تمييزها بدقة، من مسافات بعيدة.
في عام ١٨٨٩ أصدر الشرطي الفرنسي جي ماك كتابا طريفا بعنوان " الشرطة الباريسية عالم مرح " تحدث فيه عن أسرار اللصوص و الشرطة معا، و كشف عن نماذج نادرة من " اللصوص العشاق من طرف واحد "، و هم من غريبي الأطوار المولعين بسرقة الروائح السحرية للنساء الجميلات، و كان رجال الشرطة محظوظين في التعرف عليهم و التعامل معهم بأناقة بوليسية، و كان هؤلاء اللصوص يختطفون المناديل و الوشاحات و ما يصل إلى أيديهم من الألبسة و قصاصات الشعر و يتمتعون بامتلاكها و شمّها .
و ربما قرأ هؤلاء اللصوص قصائد الشعراء الرمزيين و الرومانسيين الفرنسيين التي تفوح منها روائح العطور .
 كانت باريس مسرحا لأحداث رواية " العطر " للكاتب الألماني باتريك زوسكند ،  التي تعود إلى منتصف القرن الثامن عشر، حيث يبحث غرنوي عن مصدر رائحةلم يشم في حياته مثلها، وصلت إليه من الطرف الثاني لنهر السين : "  لم يدم اضطراب حواسه طويلا، بل لم يلزمه في الواقع أكثر من لحظة ليتأكد من الحالة بصريا، و يستسلم بعدها دون أدنى مقاومة لمدركات حاسة شمه.
لقد شم الآن أنها بشر ، وكان شمه ممتعا للغاية، و وجد عرقها منعشا كريح البحر، و دهن شعرها كزيت الجوز ، و يديها كزهر المشمش، و تركيب هذه العناصر مع بعضها أنتج عطرا، هو من الثراء و التوازن و السحر بحيث إن كل العطور التي سبق له أن شمها، و كل تركيب الروائح التي ابتدعتها مخيلته بدت له فجأة خواء جافا، مئات آلاف الروائح لم تعد تساوي شيئا أمام هذه الرائحة بالذات" و من المدهش أن ترتبط موهبة غرنوي، بجرائم من نوع خاص، لها علاقة بالعطور .
خصوصية عربية
        كان العرب في الأندلس يمجدون الحياة و الطبيعة و الغناء و الورد ، و يبدعون في استخدام العطور ، حيث يرشون في بيوتهم و قصورهم عطورا تختلف باختلاف ساعات النهار ، فهناك عطر للصباح و عطر لما بعد الظهيرة و عطر ثالث للمساء و السهرة، و لم يكن هذا ترفا بقدر ما كان أناقة في الذوق و احتفالا بجماليات الحياة، و تهذيبا للعقل من خلال تهذيب حاسة الشم ، وهذا ما يلتقي مع ما كتبه بلزاك :
" إن لحاسة الشم تأثيرا مباشرا أقوى من تأثيرات الحواس الخمس ، فالروائح التي يلتقطها هي التي تشعل شرارة خفية تلهب حاسة الأفكار " .
إن أنواعا من النباتات البرية لا يفوح عطرها بقوة إلا بعد تغير الطقس، في المساء أو الصباح أو الانتقال من درجة إلى أخرى من الحرارة او البرودة، و ربما نجد شاهدا قديما من الشعر العربي، يشير إلى هذه الحالة، و يدعو إلى الحياة نفسها، قبل فوات الأوان 
تمتع من شميم عرار نجد
فما بعد العشية من عرار
كانت للزهور رموزها لدى الشعوب المختلفة، و لكنها عموما تتفق على أن النرجس رمز الأنانية، و البنفسج رمز التواضع، و الزنبق رمز الطهارة ، و شقائق النعمان البرية رمز الجمال سريع الزوال، و الكاميليا رمز الجمال الحزين، و زهرالرمان (الجلنار)  رمز الحب الصافي .
أثر هذه الزهور برموزها و أنواعها ترتبط بالعطر كما ترتبط بالفن و الحياة، بدرجات متفاوتة ، و يبقى كتاب الأغاني للأصفهاتي موسوعة حرة للحب والحكمة و الشعر  و الحكايات النادرة . و ظَل لدهن العود العربي مكانته الخاصة بين العطور .

الأنف هو العنصر المضطهد و المقموع بين عناصر الحواس المعروفة ، مع أنه يحتل المكان البارز في الوجه ، و يخجل عدد كبير من الناس من انوفهم و يحاول البعض تغيير شكلها الطبيعي بعمليات تجميل غير مضمونة، و ينفرد العرب القدماء باحترام الأنف . فالأنف المرفوع أو الأشم ، رمز للقوة و الكرامة، أما الأنف و تمريغه بالتراب أو الوحل فيرمز إلى الإذلال .
بعيدا عن الورد، ثمة من يعشق رائحة التراب بعد المطر او رائحة البحر ، أو رائحة القهوة الطازجة أو الخبز المحمص ، أو رائحة أنواع الحطب الذي يحترق ، رائحة الصندل و الشيح و القيصوم و السلماس ، و ربما يعشق آخرون الروائح الحريفة لأنواع من الصمغ أو الروث المحترق ، أو روائح الجلود الحية أو المدبوغة، و هذا ما نجده في رواية
" متعة العيش " لإميل زولا ، الذي يرصد إحدى حالات بطل الرواية :
" كان للقفاز الجلدي الساكسوني رائحة نقاذة: كرائحة الحيوان البري، أضاف إليه العطر الحقيقي للفتاة لمسة من رائحة
" الفانيلا " و حيث أنه كان شديد الحساسية تجاه الروائح الذكية ، دفعه تأثره الشديد بهذا المزيج من رائحة الفانيلا و الجلد إلى حالة من الانبهار التام و هو يحمل القفاز قرب أنفه ، و يشمه.

المرأة و العطر
       تأخذ بعض العطور أسماء ممثلين من النجوم، بينما قام سلفادور دالي بتصميم زجاجات العطور التي تجد من يحتفظ بها كنماذج فنية ، أما الممثلة السينمائية و التلفزيونية الأنيقة ادونيغ فينش التي ولدت في الجزائر من عائلة مالطية فإنها تشعر أن لها جذورا شرقية، و لها رأيا خاصا في التعامل مع العطور، تقول فيه: 

" أنا شخصيا لا أحب العطور القوية جدا، و الأفضل لي أن يكون العطر خفيفا كلمسة ناعمة، تعلو قليلا عن الرائحة الطبيعة للإنسان، و أعتقد أن هذا الرأي المتعقل يناسب المرأة، و من الطبيعي أن تختلف كثافة العطر و قوته حسب ساعات اليوم و المناسبات و طبيعة الناس الذين يحيطون بنا، و أنا اعشق العطور، فهي تحمل لغة خاصة بها ، و هذا ما يمنعني من تقديم نفسي على أجنحة موجة من العطر العنيف المسكر، وكأنني أقول : حسنا أنا هنا.. انظروا إلي.. و هذا ما ينطبق على الزهور التي تهمس برائحتها، لأن اللطافة هي سر المتعة و هي الأكثر جاذبية في الحياة. ثم إنني كنت حريصة على عطري الخاص، و لم اغيره أبداً ، فليس من السهل تغيير العطر المناسب.
لم تكشف ادونيغ فينش عن اسم عطرها، لأنه من الأسرار الشخصية جدا، و لكن النساء البدويات كنّ على مدى مئات السنين يسحقن حبات المحلب و أعواد القرنفل بأسنانهن ثم يفركن وجوههن و صدورهن بخلاصة هذا المسحوق بينما يعطر البدو قهوتهم المرة بأوراق الغار . و ينفرد الغجر، رجالا و نساء معا، باستخدام عطر فريد و رخيص، يدعى " ريف دور "، أو الحلم الذهبي، و هو عطر قوي تزداد حدته حينما يختلط بعرق الأجساد النحيلة المعفرة بغبار الدروب الطويلة، في حركتها التي لا تهدأ .
و تدخل في صناعة العطور الحديثة نحو مائة من المواد الطبيعية و الصناعية، و يختلف كل عطر باختلاف أنواع المواد المستخدمة فيه و معاييرها، و من تلك المواد الزيوت العطرية المستخرجة من غدد الأحياء البحرية و البرية و من صمغ بعض الأشجار و خلاصة الأوراق و الزهور، في أنواع مختلفة من النباتات. و من أهم تلك المواد زيت العنبر المستخرج من غدة خلف زعانف حوت العنبر الذي كان على مدى قرون هدفا للصيادين، كما قدمته لنا أهم رواية ملحمية في القرن التاسع عشر " موبي ديك " التي كتبها هيرمان ملفيل، و هي تشكل موسوعة علمية عن عالم الحيتان، و أسرار البحر، إلى جانب قيمتها الإبداعية و الأدبية.
" .. و اما العنبر الرمادي فإنه ناعم شمعي ذو رائحة نفاذة و شذى طيب، حتى أنه يستعمل على الأكثر في العطور و كرات البخور و الشموع الثمينة و المساحيق و الأدهنة المستعملة للشعر، و يستعمله الأتراك في الطبخ و يأخذونه معهم أيضا إلى مكة للغاية نفسها التي يحمل المسيحيون من أجلها البخور إلى كنيسة القديس بطرس في روما.. "

عطر الشرق و الغرب        

         إن الشرق هو مهد العطور، و هو مرتبط بالطقوس و النصوص الدينية القديمة، و كان المصريون يستخدمون الزيوت العطرية في التحنيط والعلاج ، حيث كان أباطرة روما يرشون العطر على المقاعد و رؤوس الناس في احتفالاتهم، و في حلبات المصارعة الرومانية، و في احتفالات أخرى كانت أجنحة الحمام تغطس بالعطور قبل إطلاقها لترش العطور فوق المحتفلين .

و اقتبس الأوروبيون أنواعا من العطور الشرقية في ايام الحروب الصليبية ، و كانت تجارة العطور و المجوهرات هي المفضلة لدى كبار التجار ، لأنها بضاعة خفيفة الوزن غالية الثمن، ووصلت بعض أنواع العطور من الشرق الأقصى إلى الشرق الأدنى، ثم إلى أوربا من نهايات طريق الحرير .
تهاجر العطور كما تهاجر أنواع من النباتات و الحيوانات، بين القارات، و أشهر أنواع الزهور المهاجرة هي زهرة الأوركيد، التي تحمل اسما آخر لدى السكان الأصليين في تاهيتي ، و هي تدخل إلى المطابخ و المطاعم أكثر مما تدخل إلى محلات بيع الزهور . و كانت المعارض التجارية العالمية التي بدأت في المدن الكبرى في أوربا و الولايات المتحدة منذ أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر و زاد انتشارها في بدايات القرن العشرين تعرض أنماط الحياة الشرقية في الملابس و أدوات الزينة و العطور و المراهم و الكحل، و كانت أنواع العطور تأخذ أسماء شرقية مألوفة مثل: شهرزاد و أبو الهول و علاء الدين إلى جانب " كحل ادريس " .
في جنوب فرنسا تمتد حقول واسعة من الأشجار التي تستخدم أوراقها في صناعة العطور، حول مدينة جراس،و هي المنطقة المشمسة التي كان يرتادها كبار الرسامين الانطباعيين و المولعين برسم الطبيعة، و الباحثين عن الضوء الطبيعي بعيدا عن الضباب .
كان الفرنسيون في عهد لويس الرابع يستخدمون العطور بديلا للاستحمام ، بينما اعتاد الروس تعطير اصطبلات الخيول و مرابطها الملحقة بالقصور أو حلبات السباق، احتراما لأنوف الزائرين أو المتفرجين على دورات السباق..
و كان تطور الأزياء مصحوبا بقفزات في تطور صناعة العطر و كان للنساء دور الريادة في تحديث الأزياء و العطور معا ، و أشهرهن  في القرن العشرين كانت الفرنسية  "كوكو شانيل "