لا أعتقد أن قصة ذلك الشاب المدمن غريبة على أي منا. بدأ ربما بسيجارة دفعته لأخرى ومن ثم وبشكل تدريجي وصل إلى إدمان الحقن أو الشم، ما دفعه إلى ارتكاب كل الموبقات لتوفير المال الذي يمكنه من الحصول على جرعته النفيسة من المادة المخدرة. هذه القصة تملأ أفلام السينما والتلفاز ونسمعها بشكل متكرر في حياتنا اليومية. هذه الدراما ليست موجودة في سلسلة مقالاتنا هذه، ولكننا سنطوف بك على مجموعة قصص قد لا تقل إمتاعاً وقد لا تقل تراجيدية!. مع ذلك دعني بداية أستميحك في نقل الرواية الرسمية ومن ثم ننتقل إلى جولتنا.

الإدمان.. الرواية المبسطة

يعرف الإدمان على أنه فقدان المقدرة على الامتناع عن تكرار تعاطي مواد كيميائية معينة أو ممارسة نشاطات معينة حتى ولو كان لهذا التكرار الكثير من الأضرار الجسدية والنفسية. (1)

وفي تعريف أكثر حداثة: يعتبر الإدمان خللاً وظيفياً في نظام المتعة والمكافأة في الدماغ. وهو ما سنوضحه شيئاً فشيئاً لك عبر سلسلة مقالاتنا هذه والتي ستعود بك إلى الماضي البعيد ومن ثم تنتقل بك إلى المستقبل المأمول، مع وقفة عند معارفنا الحديثة اليوم حول الموضوع ومكاننا الحالي منه.

القصة أقدم مما نتصور..

عرفت الحضارات والشعوب القديمة أنواعاً كثيرة من المشروبات والأطعمة التي تملك تأثيراً مسكراً أو مخدراً يؤدي إلى إدمانها. يُعتقد أن الخمر أقدم تلك المواد. ولدينا الكثير من الأدلة حول استخدامات مبكرة للقنب والأفيون في مناطق مختلفة من العالم. وتُحاك العديد من الأساطير حول الآلهة التي تُهدي شعوبها تلك النباتات ذات القدرات السحرية، وهو ما ترويه لنا البرديات المصرية وجدران المعابد الإغريقية وكتب الدين الهندوسية بل وحتى الأساطير المنتشرة لدى السكان الأصليين للأمريكيتين. (2) كل ذلك يدعونا للاعتقاد بأن الإدمان يعود لآلاف السنين من تاريخ البشر. ولكن دعني أخبرك بأكثر من ذلك. ربما تعود القصة الحقيقية إلى ملايين السنين، إلى أسلافنا الأوائل! (3)

بل إلى أكثر من ذلك حتى! حيث يمكننا تصنيف الإدمان كاضطراب سلوكي تشترك فيه أصناف متنوعة ومتباعدة من المملكة الحيوانية!

الحيوانات والإدمان

في عام 1995 لاحظت عالمة الأحياء البحرية "ليزا شتاينر" سلوكاً غريباً تقوم به مجموعة من الدلافين كانت تراقبها. ضمن سرب يتكون من 50 إلى 60 دولفيناً، كانت تقوم كل مجموعة صغيرة مكونة من 4 إلى 7 دلافين بالتناوب على سمكة من أسماك النفاخ يقومون بعضّها كما لو أنهم يحاولون أكلها، ولكنهم لا يأكلونها. عندما عرفت شتاينر أنهم لا يأكلونها افترضت في البداية أنهم يلعبون بها. ولكن دفعتها علامات الكسل التي بدت واضحة على الدلافين إلى الشك في الموضوع.. سرعان ما تلاشى شكها عندما رأت الدلافين مستلقية على السطح بدون حراك مع ظهور رؤوسها خارج الماء. يبدو من الجلي أنها تأثرت بالسم الذي تفرزه سمكة النفاخ أثناء دفاعها عن نفسها. بعد مراقبة مستمرة تم التأكد من أن الدلافين لا تتأثر بالسم وإنما تشعر ببعض التخدير الممتع والذي يجعلها تعاود الكرّة مرة بعد أخرى بحثاً عن النشوة!. فيما بعد قامت BBC بإنتاج فيلم وثائقي يروي قصة تلك الدلافين التي تتعاطى المخدرات!.(4) (5)

 ليس من المؤكد بعد إن كانت تلك الدلافين تدمن على تلك المادة المخدرة أم لا. ولكن معلوماتنا عن أنواع أخرى جعلتنا نكتشف الكثير من السلوكيات الإدمانية. ففي أستراليا تم اكتشاف إدمان أنواع من الكلاب على مواد سامة يفرزها نوع من الضفادع. بينما اكتشفنا إدمان أنواع كثيرة من القرود والرئيسيات على الثمار المخمرة التي تتساقط تحت الأشجار وتبقى فترة كافية لتخمرها. وتذهب بعض الأبحاث إلى افتراض تأثير تلك الثمار المخمرة على تطور أدمغة أسلاف الإنسان وهو ما يحاولون فهمه من خلال دراستهم لهذه القرود. (6)

هذا ولدينا أيضاً الكثير من القصص حول إدمان الفيلة في جنوب إفريقيا على الثمار المخمرة لأشجار المارولا، وإدمان الكناغر في أستراليا على نبات الخشخاش وقصص كثيرة حول حيوانات أخرى. أما قصة الإدمان الأغرب على الإطلاق فهي إدمان فئران التجارب على ضغط دواسة موجودة في قفص التجربة! مجرد دواسة! ولكن لهذه القصة مقال آخر.. (7)

نظرة أكثر شمولية

بعد أن وسّعنا الإطار التاريخي للإدمان، ومن ثم عمّمناه على أصناف مختلفة في المملكة الحيوانية، نعود إلى تعريف الإدمان كاضطراب سلوكي يجعلنا نمارس نفس النشاط مراراً وتكراراً. وبالطبع لن تقتصر الأنشطة على التعاطي للمواد والمشروبات الكيميائية بل تتوسّع دائرتها هي الأخرى لتشمل أي فعل يترك بعده فراغاً في نفسنا يدفعنا لإعادة ممارسة هذا الفعل لملء ذلك الفراغ وتثبيط تأثيره الملحّ داخلنا. وحسب هذا التعريف يصبح لدينا أنواع واسعة من الإدمان السلوكي منها:(8)

- إدمان المواد الإباحية "أحب التنويه إلى أنه لا يقلّ خطراً صحياً واجتماعياً عن إدمان المخدرات فهو ذو تأثير ضار جداً جداً على صحة الدماغ، وللمزيد اقرأ المقال التالي وهو بالعربية (9)".

- الإدمان الجنسي سواء بممارسته مع الشريك أو بالإمتاع الذاتي. "والإدمان هنا هو الانجرار القسري إلى ممارسة الفعل وصعوبة الامتناع عنه".

- إدمان الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

- إدمان الأجهزة الإلكترونية.

- إدمان الألعاب الإلكترونية.

- إدمان الطعام.

- إدمان الكافيين.

- إدمان الحب والعلاقات الاجتماعية.

- إدمان التسوق.

وأنواع أخرى كثيرة.. يمكنك التعرف على أي نوع من أنواع الإدمان من خلال هذه العلامات المميزة للسلوك الإدماني:(10)

- إنفاق الكثير من الوقت على ممارسة النشاط أو السلوك.

- عدم القدرة على التخفيف من ممارسة هذا السلوك أو التوقف عنه.

- عدم القدرة على الوفاء بالالتزامات اليومية.

- التخلي عن الهوايات السابقة لصالح الانخراط في هذا السلوك.

- التساهل في ممارسته.

- أعراض الانسحاب الإدماني عند التوقف الفجائي عن الممارسة.

...

ولكن إذا كان الإدمان واسعاً ومتفشياً بهذا الشكل، فهل هو على هذا المستوى من الأذية والضرر؟ وهل هو جدير بالهالة الإعلامية والمجتمعية التي تحيط به؟ هذا ما سنتعرف إليه في مقالاتنا القادمة، حيث سنتناول الإدمان من ناحية علمية ونفسية ومجتمعية.

رابط الجزء التالي من المقال: هنا.