لطالما عكست العمارة والعمران روح الحالة الحضارية في الدول. فبينما تنشط المباني الباذخة في عصور الازدهار، تنتشر الأحياء العشوائية في عصور التردّي.

ولطالما كانت المباني الأيقونية من أسهل وأجدى الطرق لتخليد اسم الحاكم، فهي تذكر الأجيال اللاحقة بمنجزاته وأعماله.

وعندما اجتمع الرخاء المالي في دول الخليج العربي مع طموح حكّامها للحاق بركب الدول المتطورة، وإيجاد مكان لهذه الدول على قائمة الشرف في المنجزات الحضارية ودفع عجلة التقدم العالمي، كانت العمارة الطريق الذي لا بد منه في تجسيد هذه الروح وهذا الطموح لبناء المدن والصروح التي تعكس مدى قوة هذه الدول وتأثيرها. ولأن التنمية المستدامة أصبحت الطريق العصري الذي لا بد منه أمام أي خطط للتنمية، فقد شرعت مشاريع المباني والمدن المستدامة في غزو الخليج العربي. وفي هذا المقال أسلط الضوء على ستة من هذه المعالم في عدة دول خليجية.


مدينة مصدر


تم تأسيسها عام 2008 في إمارة "أبو ظبي"، لتصبح قدوةً يُحتذى بها في عالم المدن المستدامة. ولتقدّم نموذجاً حضرياً متطوراً للتوسعات والضواحي على أطراف المدن الكبرى.

تم تصميمها من قبل مكتب المعماري نورمان فورستر وشركائه، على أساس الدمج بين الطابع العربي الإسلامي في العمارة وبين التقنيات الحديثة المستدامة، خالقاً بذلك مدينة خضراء في قلب الصحراء.

تزخر مدينة مصدر بالحلول البيئية النظيفة بعيداً عن استهلاك الوقود الأحفوري. ولضمان ذلك فقد تم تأسيس معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا كمنصة كبرى للابتكار داخل المدينة، مما يرفدها بالحلول المعمارية والتقنية اللازمة طوال مرحلة التصميم والإنشاء وبعدهما.

ولن أسهب في الحديث عن أضخم الخلايا الكهروضوئية في منطقة الشرق الأوسط، أو عن مزارع الرياح التي تزود المشروع بالطاقة الكهربائية، ولكنني سأتكلم حول تفادي "مصدر" لوسائل النقل التي تطلق غاز ثنائي أوكسيد الكربون. فموقع المدينة الاستراتيجي القريب من سكة الحديد ومن المطار الدولي، والمحاط بعدة طرق برية رئيسية، سهّل ربطها بالتجمعات الحضرية المجاورة. وعلى أية حال فهي مدينة تحفز السير على الأقدام. فشوارعها المظللة وساحاتها الجذابة، توفر بيئة جذابة للمشي. إضافة إلى أن المواصلات العامة لا تبعد أكثر من 200 متر مشياً على الأقدام من أي شارع في المدينة.

المصادر: 1، 2.


مركز قطر الوطني للمؤتمرات


أحد أكثر مراكز المعارض والمؤتمرات تطوراً حول العالم. افتتح عام 2011 بتصميم أيقوني أكثر من مميز، أهّله لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي في 2012م.

بجملة معدنية شجرية تعكس الجرأة الإنشائية، وتتقاطع على الواجهة الرئيسية على شكل شجرتي سدرة معدنيتين، انطلق المصمم الياباني أراتا أيسوزاكي بفكرة تصميمه التي تجسّد أحد أكثر مراكز المؤتمرات التزاماً بالمعايير البيئية.

يتمتع المبنى بسقف تكسوه الألواح الشمسية على مساحة 3600م²، توفر أكثر من 12.5% من احتياجاته من الطاقة. وبينما تمت إنارته بأضواء ليد LED عالية الكفاءة، يتمتع المشروع بأنظمة استشعار لتشغيل الإنارة وإيقافها. إضافةً إلى أنظمة التحكم في الهواء وتوفير الماء، والتي شكّلت مع مختلف العناصر التكنولوجية والرمزية، مشروعاً فريداً من نوعه حقاً.

المصادر: 1، 2، 3، 4.


برج الدوحة


أحد الأيقونات المعمارية التي تميز العاصمة القطرية. صممها المعماري الفرنسي جان نوفيل. "وهو نفس المعماري المصمم لمتحف اللوفر في "أبو ظبي" والذي تم افتتاحه قبل أيام".

يتميز البرج بشكله الأسطواني المقتبس من البيئة المحلية، وبأفكاره المستمدة من العمارة الإسلامية، مما يجعله وليد المنطقة التي بُني فيها.

تكسو واجهاته مشربية حديثة من الخرسانة والمعدن، تشكّل زخارف إسلامية يتكامل تكوينها ضمن أربع طبقات متدرجة، تؤمن تظليلاً كافياً للواجهات الزجاجية الواقعة خلفها، موفّرة بذلك جزءاً كبيراً من تكاليف التكييف الباهظة في المباني الزجاجية المشابهة، عدا عن تكاليف نظافة الزجاج وحمايته من الغبار والأتربة.

يحوي البرج أيضاً على حديقة عمودية هي الأولى من نوعها في دولة قطر. ناهيك عن مساحات خضراء واسعة ومنوعة.

عدة نماذج للمشربية العربية التقليدية.


المصدر: 1.


أبراج البحر


من حيث الفكرة، نحن أمام برج زجاجي بحاجة لحمايته من الشمس والغبار، تماماً كبرج الدوحة. ولكن فكرة المعالجة في أبراج البحر في "أبو ظبي" مختلفة قليلاً. فبدلاً من المشربيات المعدنية، اعتمد "معماريو أيداس" على مجموعة من المظلات بلغ عددها 2000 مظلة موزعة على ثلاث واجهات لكل من البرجين. حسنٌ.. إنها مشربية من نوع آخر على أية حال.. ولكنها مشربية ذكية قادرة على التفاعل مع حركة الشمس لتفتح وتغلق تلقائياً ملقيةً بظلالها على الواجهة الزجاجية المواجهة للشمس في أي ساعة من النهار وعلى مدار السنة، مما يقلل من الحرارة المكتسبة بنسبة 50%.

المصادر: 1، 2.


مطار الكويت الدولي


كمعظم الأعمال الأيقونية الجديدة في الخليج العربي، صُمّم مطار الكويت الدولي الجديد على أسس بيئية واضعاً نصب عينيه الحصول على التصنيف الذهبي "LEED" كرائد في الالتزام بمعايير الطاقة والتصميم البيئي. المطار الذي صُمّم من قبل فوستر وشركائه لا يزال قيد الإنشاء، وسيتم استكمال تنفيذ تصاميمه الأولية عام 2022 ليتسع لـ 13 مليون مسافر سنوياً.

والمطار عبارة عن مبنيين متناظرين. لكل مبنى ثلاث أذرع مشابهة لعلامة مارسيدس. ويمكنني تبسيط الكتلة بتوصيفها كمجموعة من المظلات الخرسانية المُثقّبة المحمولة على هيكل إنشائي معدني. تعمل تلك الثقوب "الكوّات أو المناور" على إدخال ضوء النهار إلى داخل المبنى مع منع أشعة الشمس المباشرة من الدخول، وذلك بالحفاظ على زاوية ميل للفتحة لا تواجه الشمس. مما يؤدي إلى توفير الإضاءة الطبيعية النهارية، والحماية من حرارة الإشعاع الشمسي.

علاوةً على ذلك، يكسو سقف المبنى مجموعة كبيرة من الخلايا الشمسية التي تساهم في التوليد الذاتي للطاقة الكهربائية لتشغيل المطار.

يمكن قراءة المزيد عن مطار الكويت الجديد في مقال جريدة الراي الكويتية "المصدر 1".

المصادر: 1، 2، 3.


جامعة الملك عبد الله


في الحقيقة يحتاج هذا المشروع الحاصل على التصنيف البلاتيني من LEED إلى مقال لوحده لتوصيف مزاياه والتعمق في تصميمه. ولكنني سأحاول هنا التركيز على الجانب البيئي وشرح الحلول المعمارية المتبعة في هذا المشروع لتفادي قساوة الطقس على الساحل الشرقي للبحر الأحمر.

يتكون الحرم الجامعي من 10 كتل رئيسية، تجتمع سويةً تحت سقف واحد متصل يغطي الكتل والساحات والأفنية على حدّ سواء. ويقوم تصميمه على السماح بدخول الضوء الطبيعي إلى المساحات العامة، مع إتاحة الفرصة لحركة التيارات الهوائية، دون السماح لدخول أشعة الشمس المباشرة. ومع توفر المساحات الخضراء والمسطحات المائية في الأفنية، تصبح النسمات التي تتخلّل المباني رطبة ومنعشة.

وبالتأكيد تم التفكير في استغلال الثروة الشمسية في توليد الكهرباء عبر مجموعة من الخلايا الشمسية المثبتة على أجزاء من السطح الواسع للمبنى.

ومما يلفت النظر أيضاً، الواجهات الخارجية شبه المصمتة للحرم الجامعي. فهي إما مفتوحة بفتحات شريطية صغيرة، أو بواجهات زجاجية تحميها الكاسرات. وهو أمر طبيعي في المباني العربية التقليدية التي تُفتح على أفنيتها الداخلية، بينما تُحمى نوافذها الخارجية بالمشربيات الخشبية.

المصادر: 1، 2.

...

أتمنى منك مراجعة المصادر للتزود بمعلومات أوسع عن المعالم المذكورة.