في أواخر النصف الأول من القرن السادس عشر.. كان هُناك مُزارعٌ شاب يُدعى (أريب).. كان أريب قد ورِثَ عن جدِّهِ بِئرًا تُخرِجُ شرابًا أسود اللَّون أطلقوا عليه شراب التِّبر.. كان جدُّهُ من يتولَّى استخراج هذا الشَّراب لأهل قريتِهِ ليزدادوا من حكمتِهِ.. فكان مُثقَّفيهم يستمدُّون منه الذكاء قبل أن يبدأوا قراءَة كتاب أو كتابتِهِ.. وكان العُمدةُ يشربه قبل مجلس الحُكم الإسبوعيّ الذي ينظُرُ فيه مشاكل الناس وقضاياه.. وكان المُعلِّمون يشربونهُ قبل أن يبدأوا في إلقاء دروسهم.. وهكذا.. كلُّ من يُريدُ الحكمة يشرب من التِّبر كأسًا.. ولم يكُن أحدهم يعلم سرَّ هذه البئر..

كان لدى أريب أيضًا عدَّة أبقار وبعض الغنم التي يرعاها.. وحمارٌ وحيد يُعاملُهُ بلُطفٍ كما لو كان كلبًا أليفًا.. حتى أنَّهُ لم يكُن يركبُ ظهرهُ.. بل كان يسيرُ بجوارهِ.. ويُطعمُهُ في بيتِهِ بعيدًا عن الحظيرة.. ويمضي معه معظم وقت فراغهِ..

بعدَ أن ورِثَ أريب البئر.. زادت الأنظار إليه التفاتًا.. وكان الجميعُ يهتمون بشأن صاحب البئر الجديد.. ولم يكُن أمر مُعاملتِهِ لحمارِهِ مألوفًا.. فلم يعهد النَّاس مثل تلك الحكايات من قبل.. لا يُربِّي الناسُ الحمير إلَّا لشأن ركوبها فقط.. فلا يَطعمون لبنها على الأغلب.. وكذلك لا يأكلون لحمها.. واعتقدَ الجميعُ أن أريب لديهِ سرٌّ وراء تلك المُعاملة الغريبة التي يُعاملُ بها الحمار..

كان الأمر يسير بأُلفةٍ بين الناس.. فرغم استيائهم.. إلَّا أنَّ أريب لا يفعل شيئًا خاطئًا.. هو فقط يُحسنُ مُعاملة الحمار.. حتَّى وجدَ أحد جيرانهُ أثارُ شَراب التِبْر الأسود على إناء شراب الحمار.. شراب الحكمة الذي يشربهُ النُّخبة والمثقفين في القرية.. وشاع فيهم أنَّ أريب يُطعم حمارهُ شراب التبر.. لذا قرَّرَ سُكَّان قريتهِ أن يجتمعوا ليتحقَّقوا من تلك الشائعة.. فلا يحقُّ لأريب أن يفعل هذا.. هو يملكُ البئر.. لكنَّ التبر حقٌّ لهم جميعًا.. وهذهِ تُعدُّ إهانةً لنُبهاء القوم ومُثقَّفيهم الذين يشربون هذا المشروب ويُقدِّسونه..

اجتمعوا ليلة الخامس عشر من شهر ديسمبر في منزلِ عُمدة القرية.. وأرسلوا استدعاءً لأريب.. لكن أريب جاءَ مُتأخِّرًا عن موعدِهِ قليلًا.. سألهُ العُمدةُ باستياءٍ عن سبب تأخيرِهِ.. فأخبرهُ أريب أنَّهُ كان يُطعم حمارهُ.. تغيَّظَ العُمدة.. لكن أريب عالجَ غضبَهُ قائلًا.. "لم يكُن الحمارُ في مزاجٍ جيِّد هذا اليوم.. فبعد أن شربَ نصف إناء التِبر لم يستطع إكمال باقي الشَّراب.. وقلقتُ عليه كثيرًا.."

كان الجميعُ يعرفون أنَّ أريب بإقرارِهِ هذا يجب أن يُعاقب.. لا يجبُ أن يفلت بتلك الفعله.. كيف يُطعمُ التِبر للحمار.. ألا يعلمُ أنَّ هذا الشَّراب مُقدَّسٌ باركتهُ الآلهة؟ ولا يجبُ أن تتم إهانته بتلك الطريقة..

وبالفعل.. قرَّرَ العُمدة أن يُعاقب أريب.. حكم بقتل الحمار.. وتغريم أريب مقدار ما شربهُ الحمار مجَّانًا لأهل القرية تعويضًا عن تلك الاهانة..

لم تتغيَّر ملامحُ أريب.. نظرَ إليه العُمدةُ وقد أمرهُ أن يُسلِّمَ الحمار للأبقع.. جلَّادُ القرية.. لكن أريب فاجأهم.. لقد مات الحمار على حافَّة البئرِ وسقطَ فيها! ولم تعُد البئرُ تُخرجُ تِبرًا..

توقَّفَ الحضور فجأة.. صمتوا جميعًا في انتظار ما سيحدُث.. هذا يعني أنَّهم قد فقدوا التِّبر للأبد..

قام العُمدةُ من مكانهِ.. قال.. "لا تكذبُ يا أريب.. أنتَ تعلمُ أن هذا الشراب هو ما يُعطينا الحكمة.. وبدونِهِ لن نستطيعَ أن نعيشَ أكثر.. لن نتمتَّع بالحكمة الكافية لكي نُحافظ على حياتنا.."

ردَّ عليه أريب.. "ما حدثَ قد حدث.. لم يعُد هُناك المزيدُ من التبر.."

لم يكُن أمامهم أن يفعلوا شيئًا.. كانت صدمةً أصابتهم جميعًا.. لا مزيد من التِّبر بعد اليوم.. وعليهم أن يُواجهوا حماقَات الدنيا بمزيدٍ من الحماقات..

تذكَّرَ أريب أن يُخبرهم شيئًا.. فما تبقَّى من إناء الحمار الأخير ما زال بخير..

نظرَ إليه العُمدة وقد عاد إليه بريق أمل.. يُمكنهم أن يستعينوا بما أبقاهُ الحمار ليستعيدوا التِّبر مرَّةً أخرى.. كان عليهم أن يجدوا طريقةً ليُخرجوا الحمار قبل أن يتحلَّلَ جسدُهُ داخل منابع البئر.. لكن يأبى أحدهم أن يشربَ من سؤر الحمار..

مرَّت عدَّة أيَّام ولم يشرب فيها أحدٌ من أهل القرية التبر إلَّا أريب الذي لم يكُن يُمانعُ من أن يشرب مكان حماره.. كانوا جميعًا يعلمون أنَّهم لا طاقة لهم على العيشَ دونه.. يجب أن يجدوا حلًّا..

كان يوم الواحد والعشرين.. وقدم أريب إلى العُمدة الذي كان قد بدأت تظهرُ عليه العلامات الحماقة.. جلبَ معهُ أريب آخرُ كأسٍ من التِّبر المُتبقِّي.. وقال.. "علينا سيدي أن نجدَ حلًّا لما حدث.. يجبُ أن يشرب أحدنا هذه الكأس حتى يستطيع إيجاد حلٍّ لما يؤرقنا.."

أومأ إليه العُمدة.. فهم أريب أنَّه ما زال لا يُريدُ الشُّرب من مكان الحمار.. نظرَ إليه العُمدةُ في حُزن.. شربَ أريبُ الكأسَ.. انتظرَ قليلًا ثم قال.. "علي أن أذهبَ إلى منابع التِّبر لأعلم ماذا حدث.. وعلى نتيجة ذلك يكون الحلّ.."

فرح العُمدة في بلاهةٍ.. لكنَّهُ تذكَّرَ أنَّ العهد الذي كانوا قد قطعوه لجدِّ أريب ألا ينزلَ أحدٌ بئر التِّبر.. وإلَّا سينتهي تأثيرُ البئرِ على من هم خارجه..

أخبرهُ أريب أنَّهُ عليه أن ينزل.. وإلَّا لن يكون هُناك المزيدُ من التِّبر.. وافقَ العُمدة.. لم يكُن يستطيعُ أن يجد حلًّا آخر..

جمع أريبُ عتادهُ مُستعدًّا للنزول إلى البئر.. وهمَّ نازلًا إليها.. ربطَ حبلًا معقودًا على حافَّة البئر ليستطبع أن يصعد مرَّة أخرى.. ونزلَ البئر التي كانت مُظلمة.. كان يعتقدُ أنَّ سواد الشَّراب يجعلُ من المكان أكثر ظُلمة.. لكنَّه سُرعان ما اكتشفَ أنَّهُ لم يصل بعدُ إلى عُمق البئر.. ما جعل البئرُ مُظلمة.. هي تلك المسافات الكبيرة التي يبلُغها العُمق!

ظلَّ ينزلُ إلى أن انتهى الحبلُ.. ولم يصل بعدُ إلى العُمق.. وكان عليه أن يختار.. إمَّا أن يترُك الحبل لينزل.. ليعرفَ حقيقة البئر المسحور.. أو يعود ليستسلم وشعبهُ إلى البلاهة الدائمة!

..

هذا ما سنعرفُهُ في المرَّة القادمة..

اكتبوا جميعًا توقُّعاتكم لما سيحدُث.. وكذلك رأيكم في القصَّة.. دمتم في أمان الله..