كان ما يشغلنا فى قضية عمرو وردة هو كيفية التعامل معه؟

لم يكن أحد يجادل بأن وردة لم يخطأ، بالطبع أخطأ، ولم تكن مرته الأولى فيما يخص واقعة التحرش، وهو ما يؤكد أن الأمر تعدى مرحلة خطأ عابر ليصبح نوعاً من الإدمانات السلوكية، بمعنى أن جزء من إرادتة يكون معطلاً كمدمن المخدرات، وبالتالى فهو يحتاج مساعدة ممن حوله.

وإذا كان الحال هكذا، فهل كان التصرف الصائب هو إستبعادة، أو بتعبيرنا المصرى( يترمى بره)؟، فى إعتقادى أن هذا لم يكن الحل المناسب، لأن هذا يُعَمِق المشكلة السلوكية لدى الشخص، ويُحَمِله ثمن باهظ بشعوره بخسارة كل شئ، وبسبب هذا يسهل بعدها أن ينجرف تماماً فى هذا السلوك.

هل أقصد بأن الصواب هو أن يستمر مع المنتخب؟ أيضاً لم يكن هذا التصرف الصائب، لأن فى هذا التصرف ضرر له أكثر من الفائدة، وكأنك تحثه على أن يفعل أى شئ دون محاسبة، وكأن تصرفه الخاطئ ليس له أى تكلفة.

ماذا كان علينا أن نفعل؟ كان من الممكن أن نتصرف فى نضج يحاول الموازنة بين العدل والمساعدة، بين تقدير وإحترام مشاعر الجمهور وبين محاولة إحتواء فرد يُعانى من أزمات أخلاقية وسلوكية.

كيف يتم هذا؟ كنت أتمنى أن يخرج علينا إتحاد الكرة بالبيان التالى:"لن يتمكن اللاعب عمرو وردة من إكمال البطولة وذلك لتأثير بعض الإدمانات السلوكية على تركيزة، وحفاظاً على مصلحة اللاعب ومستقبله؛ فإنه تم الإتفاق معه على عقد جلسات تأهيل ومساندة نفسية لتخطى هذة المرحلة من حياتة والعودة إلى كامل لياقتة الذهنية والنفسية مع تقديم إعتذار لكل من تضرر من سلوكياتة."

فى الواقع بهذا التصرف كان سيخسر مشاركتة فى البطولة، وصورتة أمام الجماهير، وفى ذات الوقت تم تقديم يد المساعدة له فيما يخص إدمانه.

ولماذا يجب أن نقدم فرصة جديدة لهذا المُتحرش؟ فى واقع الأمر، كل شئ حولنا فى هذا العالم قائم على وجود فرصة ثانية. لهذا نجد فى الأديان مفهوم التوبة والغفران بمختلف تطبيقاتها؛ فإنحرافنا كبشر عن الكمال يصعب معه الإستمرار من دون غفران وفرصة ثانية. من فضلك إذا لم تكن مقتنعاً بالفرصة الثانية، راجع ما تعتنقة أو تعتقدة عن أى تغيير أو تطور، فحتى الإختراعات العلمية التى نستخدمها يومياً تعتمد فى البداية على وجود تجارب علمية غير ناجحة وهى التى يتم تصويبها وصولاً إلى الإختراعات والنتائج الصحيحة، وكما يوجد تجربة علمية فاشلة، يوجد سلوك أخلاقى منحرفـ ، ويبقى لنا إختيار رد فعلنا تجاة هذا الفشل أوالإنحراف، إما أن تكون دافعاً للإنطلاق للأمام بالإعتراف بالفشل ومحاولة التصحيح، أو محاولة التبرير والبقاء أسيراً للفشل.

إنصرف البعض خلال الأزمة بحثاً عن أمثلة توضح كيفية تعامل الغرب مع المتحرش، إنطلاقاً من قناعات مُتَجَذِره فينا بأن الغرب أكثر تقدماً منا ويجب أن نتعلم منه.

أعتقد أن كون الغرب أكثر تقدماً منا تكنولوجياً وتقنياً، فهذا لا يعنى كون الغرب أكثر تقدماً اخلاقياً. فلنلتفت قليلاً صوب الغرب، لنكتشف هذا المجتمع الذى يدعى كونه صارم جداً فى قضايا التحرش. سنجد أن نفس هذا المجتمع الغربى، لديه صناعة كاملة من الإباحية وتحويل الجنس إلى مهنة، وما يتبع هذا من تدمير للبشر تحت إدعاء أن ممارسة الجنس جزء من الحريات الشخصية. لذا يجب علينا أن نُعدِل صورتنا الذهنية عن الغرب؛ فالغرب ليس مجتمعاً مُقدساً. فإذا كان التحرش قى مفهومه الضيق هو(معاكسة)، فإننا إذا أردنا توسعة(الكادر) لنفهم المعنى فى شموليته، يمكننا أن ندعى أن تحويل الجنس إلى تجارة يُعد شكلاً من أشكال التحرش، وكذلك إستخدام الجنس كمادة إعلانية جذابة تحرش. المجتمع الغربى مثله مثل أى مجتمع يصيب فى أمور، ويجانبه الصواب فى آخرى، لذا لا يمكن التعامل معه على إنه معيار أخلاقى مطلق يُرجع له فى كافة الأمور.

علينا دائماً أن نحافظ على مسافة كافية بين الشخص وتصرفاتة، علينا أن ندين تصرف وردة ونغضب منه، بينما علينا أن نساعده هو شخصياً فى أزمتة الأخلاقية مع نفسه. لأننا فى حال سوينا بين الشخص والفعل، سنعود تلقائياً إلى فكرة إستحالة التغيير والتطور، أو كما نقول فى أمثالنا المصريه(الطبع يغلب التطبع).

وبمناسبة (الكادر الأوسع)، يمكننا أن نأخذ تصرف وردة ضمن سياق عالمى أكبر من الهوس الجنسى الذى يسير فيه عصرنا الحالى، أزمة الفيديوهات الجنسية لأحد المخرجين المصريين ليست ببعيدة، و الرئيس الأمريكى(الممثل للمجتمع الغربى المتقدم) الذى دفع ثمن قضاء ليلة مع أحد ممثات الأفلام الإباحية ثم دفع مبلغ إضافى كرشوة من محامية للممثلة لتجنب الفضيحة. يسهل أن نلمح فى هذا الهوس محاولة الإنسان القديمة فى إستخدام أشياء طبيعية منحها الله له(الجنس) بصورة إدمانية شهوانية للتغطية على قلق وجودة، والهرب من إجابة الأسئلة الصعبة عن وجوده ومعناه وقيمته.

أعتقد إنا يجب أن نتزن ما بين الإدانة للتصرف، ومساعدة الشخص. ما بين تنفيذ عقوبات، ولكن عدم ترك الشخص يواجة أزمتة بمفرده. كذلك علينا أن نميز ما بين القرار الأخلاقى المنحرف المأخوذ بكامل الإرادة والوعى، وما بين التصرفات الإدمانية التى تحتاج إلى تدخل علاجى نفسى. علينا أن لا نُعَظِم الغرب ونحتقر أنفسنا، وأعتقد أن العلاج الأشمل ليس فقط عقوبة ورده، وإنما تقديم صوره صحيحه عن الجنس كما اعطاه الله لنا، لعالم نصفة الغربى يُنفِق مليارات الدولارات على صناعة المواد الإباحية، ونصفة الشرقى ينفق الساعات تلو الساعات فى البحث عنها

***************************************