تُعد الفلاحة إحدى أهم ركائز الاقتصاد المغربي، إذ تشكل عائداتها 15% من الناتج الوطني الداخلي الخام، كما توفر 40% من فرص العمل، وهو رقم ضخم ويستحق الاهتمام، رقم يستوجب النهوض بهذا القطاع الذي، رغم كل هذه الأرقام، ما زالت أساليب العمل فيه بدائية وتحتاج إلى تطوير شامل؛ بغية الإنعاش وتحقيق تنمية حقيقية، تنعكس بالإيجاب على الفلاحين، الصغار منهم والكبار، بهدف زيادة الإنتاج ذي الجودة العالية، وإنشاء فرص عمل، إضافة إلى الاكتفاء الذاتي في إنتاج الغِذاء.

فِي أبريل (نيسان) من سنة 2008 يُشرف الملك على انطلاقة ما سمي بمخطط المغرب الأخضر، أضخم استراتيجية للنهوض بالقطاع الفلاحي عرفها المغرب في التاريخ الحديث، استراتيجية خُصصت لها الملايين من الدولارات، وعقدت عليها كل الآمال للنهوض بالاقتصاد وتقليص الفقر، عبر خلق فرص عمل زُعم أنها ستتخطى حاجز المليون والنصف، كما ستحَوِّل الفلاحة التقليدية إلى فلاحة عصرية، تُسهِّل عملية إدماج الفلاح البسيط في السوق الوطنية، والدَّولية، رُؤية لا يختلف اثنان على أنها ستكون الرافعة الأساسية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في البلاد. لكن وبعد 11 سنة، تَبين أن مخطط المغرب الأخضر حَوَّلَ المغرب إلى أراضٍ قاحلة، وعِوضًا عن دعم الفلاحين الصغار، جعلهم عُمَّالًا في أراضيهم تحت سيطرة كبار رؤوس الأموال، لتتبخَّر بعدها آمال النهضة الزراعية.

مغرب أخضر لا ينتج قوت يومه

بَعد أزيد من عشر سنوات على انطلاقة المخطط، يَتًّضح أن المغرب لا يقوى على إنتاج قوت يومه من الحبوب، ليجد نفسه مجبرًا على استيراد ملايين الأطنان من القمح سنويًّّا، وهذا يعني ملايين الدولارات، خصوصًا مع ارتفاع سعر القمح في السوق الدولية. وجاء هذا الانخفاض نتيجة تدنٍ مُهوِل في نسبة الإنتاج، مقارنة بالعام الماضي، بنسبة تزيد عن 40%، هذا الرقم المرعب يدل على الجهود غير المبذولة من طرف الدولة لعصرنة إنتاج القمح وتحسينه، ليؤدي اضطراب في توقيت الأمطار خلال عام 2019 إلى انخفاض الإنتاج بنسبة تقترب من النصف، عام من تقلب المناخ فقط أدى إلى هدم عشر سنوات من الأهداف الوهمية. يقول المحلل المغربي نجيب اقصبي عبر دوتشي فيليه:

«السياسة التي ينتهجها المغرب، أي سياسة استيراد القمح من الخارج، خطأ فادح، وأنه آن الأوان لتغييرها من خلال العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي من إنتاج الحبوب»، ويذكر أيضًا، عبر المصدر نفسه، أن الحل أمام المغرب هو «اعتماد سياسة تهدف لدعم الإنتاج القروي عن طريق تشجيع صغار الفلاحين، بهدف ضمان الحد الأدنى من الاكتفاء الغذائي الذاتي».

وهذا عكس ما يفعله المغرب ومخططه الأخضر تمامًا!

إذ يعتمد المخطط على دعم زراعة الحوامض دعمًا أساسيًّا، والثمار بدلًا من الحبوب، لسد احتياجات السوق الأوروبية فقط، وعدم الاهتمام بالخصاص الوطني «المتمثل في القمح»، والذي يشكل ربع الواردات الغذائية برمتها. كما أن هذا الدعم كان مُوجهًا بالأساس لكبار الفلاحين والمستثمرين الذين يكترون أراضي الفلاحين الصغار في القرى بأرخص الأثمان، مستغلين ضعف حيلتهم مع الجفاف، فلم يكتفوا بمنع الدعم عنهم باستغلال سياسات الدولة المجحفة تجاه الفلاحين البسطاء، بل جعلوه عاملًا في أرضه بأجر شهري حوالي 200 دولار على الأكثر، بينما هم يتمتعون بالدعم المادي، اللوجيستي، الأراضي البخسة، والفرشة المائية الهائلة.

والنتيجة أزمة قمح تلوح في الأفق!

وتتوالى الأزمات لنصل إلى أزمة الشغل في السوق الفلاحية، لتخرج المندوبة السامية لنا بتقرير يوقظنا من سبات الآمال الزائفة، التقرير مفاده أَنّ المغرب فقد حوالي 150 ألف منصب شغل فلاحي ما بين 2008 و2017؛ أي مند بداية المخطط، في الوقت الذي كان يعد بخلق مليون ونصف فرصة عمل إضافية ما بين 2008 و2020. حقيقة صادمة مُرّة تُظهر مدى الفساد الذي وصلت إليه وزارة الفلاحة والصيد البحري عبر إدارتها هذا الملف الكبير، فقد أصبح الراتب الذي يتقاضاه الفلاح بعد تحوله لعامل لا يكفيه لِيُعيل أسرته، خصوصًا مع غياب الخدمات التعليمية والطبية في أغلب القرى، والفرشة المائية، التي تستنزف بشكل مَهُولْ وتُشرف على النفاد، لِيُصبح الفلاّح فاقدًا الأمل في أرضه، وفي مستقبله، ومصيرِ أولادهِ في القرية، ويَنتشِر العزوف عن العمل في القطاع، وتُصبح بذلك الهجرة نحو المدينة هي المفتاح الوحيد نحو العيش الكريم. رَغم أهداف المخطط لتحسين دخل ثلاثة مليون من سكان القرى، من ضعفين إلى ثلاثة أضعاف، لَكن كل شيء باء بالفشل.

ماذا بعد الفشل؟

رَغم كل هذه المعطيات والإحصائيات الواضح انعكاسها على الواقع المغربي، من مظاهر الفقر والهشاشة، وتراجع التنمية تراجعًا لا يُصَدًّق، الشيء الذي يؤكده مؤشر التنمية عن الأمم المتحدة، رغم المليارات التي صُرِفت في مخطط المغرب الأخضر والمبادرة الوطنية للتنمية، دون أي جدوى تُذكر. لكن كما قال الدكتور مرسي – رحمه الله- «تصنع الإرادة بإنتاج الغذاء، والدواء، والسلاح»؛ فدائما الغذاء و«العِيش» يكون بادئ الشعارات الداعية للنهضة والتطور، فَمن يريد حقًّا أن يرفع من الاقتصاد، ويساعد الفلاحين الصغار من أجل اقتصاد واعد وإرادة حرة، عَليه إعطاء الأولوية للخصاص الوطني وتشجيع الفلاحين الصغار، بدعمهم والتساهل معهم، وكذا بتنظيم دورات تكوينية تَهدِف إلى توعية الفلاحين عن الطرق الحديثة للزراعة؛ لزيادة الوعي المهني لهذه الفئة الهشة، وتشجيعهم على خلق تعاونيات تشاركية في كافة القرى، أما على الصعيد الآخر؛ فيجب الاستثمار في الأبحاث والمناهج الفلاحية، والاستثمار في تقنيات حديثة، مثل تحلية ماء البحر لتفادي استنزاف الفرشات المائية، والعديد من الإجراءات التي كانت لتعطي أُكلها فعليًّا، بيد أن الحكومة والإعلام ما يزالون يطبلون لإنجازات المخطط الأخضر، وما وصل إليه من نجاح وهمي، بِمُباركة إعلامية حُكومية مَلكية كاملة. فما محل واقع المغرب اليوم من تلك الطموحات؟ طُموحات بدت منطقية، ما دامت الأرض خصبة لكل تلك الأهداف. لَكن هذه التربة الخصبة مَلَكَ زِمَامَ أُمورِها عقل جاف؛ ليحقق بها عدة من السنوات العجاف.