اليوم يحصد الأرواح  عناد وتهور السيارات على الطريق السريع، معدلات حوادث الطرق بسبب الإهمال وتخطي حاجز السرعة تضاعف، لابد من قانون رادع يمنع من تجاوز حد السرعة، نحن هنا لحظة بلحظة ننقل لكم ما يحدث في مصر

صوت انفجار وضجيج وهرولة بعض الرجال يقولون انظروا بداخلها جيدا بينما يكون هناك أحد على قيد الحياة وصوت أبي يتكلم في هاتفه ويذكر اسم عمي ويقول الحقني يا حسين هبة ماتت تساءلت هل أنا في حلم تظاهرت بالإغماء لعلي أستيقظ على شيء آخر يقترب من السيارة رجال يواسون والدي وهو يقول: هبة ماتت هبة ماتت.

وحد الله قل إنا لله وإنا إليه راجعون وأيد تحملني لأذهب إلى المستشفى فتحت عيني بحر من البشر وملفات في أيديهم عمليات 13ج دكتور محسن الدور الخامس وفقدت الوعي في هذه المرة حقيقية وإذا بأمي تدخل بثوب أبيض وتقترب تقول لي: ما رأيك بمنظري هل مناسب لحضور الحفل؟!

فقلت لها: هل بوسعنا الانضمام؟

قالت لا الدعوة محدودة لكن عديني ستهتمين بوالدك وأخوتك إلى أن نلتقي قلت لها: أعدك

وفتحت عيني و إذا بخيالات
 لا أحد ممن أعرفه موجودا ...... لا لحظة
هذه جارتنا سعاد تقترب هالة .. هالة أنا العمة سعاد يا حبيبتي قلت : عمتي .... عمتي ...أين أمي؟!
عمتي لماذا تلبيسين الأسود؟!
أبي كان يصرخ ويقول ماتت .. هل هي ماتت ؟

أنا صغيرة والأم تموت عندما نكبر صحيح!!!

ردي يا عمة سعاد .. ردي يا عمة سعاد

لن أنسى أبدا نظرة الحسرة التي كانت في عيونها وهي تنظر نحوي، وصمت العمة سعاد وتلفتها للخلف لتمسح دموعها؛ أثبت لي ما يدور في ذهني من أهوال.

قالت لي: هالة أهذا يقول القرآن الكريم الذي كانت أمك تعلمك إياه؟!

ألا تريدين لها تعلو كل يوم في جنان الرحمن بطاعاتك و أعمالك الصالحة؟!

 أما يكفيك بشرى ربك عندما قال وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون؟!

ثم إنك مجروحة جرحا غائرًا، وبكاؤك خطر على الجرح يا حبيبتي.
وما تدري العمة سعاد أن جرحا أخطر مفتوح ولا طبيب غير الله يطببه!!
أبي لم يأت غير ثان يوم وأول كلمة قالها لي ( سامحيني ).


ومرت أيام العودة للبيت الأب يرسم ابتسامة صفراء يودع بها الأطفال، يتمالك الباقي من جسده لكي يظهر بالتماسك قبل أن يخر باقي أفراد العائلة صعقًا من هول المصيبة، لم يبق غير كلمة سامحيني ترن في أذن هالة سامحيني يا هالة أنا السبب وهل صدم أبي إصبعي لكي أقل له: حصل خير يا أبي.
  أبي ضغط على البنزين بأقصى سرعة وتقول له أمي: هديء من سرعتك يا أحمد، اتركه يا أحمد ليمر السماح هو مجنون لا تجعل رأسك برأسه، اتركه يمر والجميع السماح يا أبي السماح يا أبي.


لكن يكفي ما عليه الآن من وجه شاحب وملامح باهتة، أناواثقة بأنه لا يستطيع النوم من يوم الحادث، تتعارض الأفكار كلها برأسه لو أنني سمعت كلامها، لو خفضت من السرعة، لوكنت ما خرجت يومها أصلا، لو أنني كنت بدلا منها، فأطفالي يريدون الرعاية وأنا كطفل عاجز بدونها هي من توقظني من نومي، هي من تهتم بمظهري ونظافتي، هي من تحضر لي طعامي، أنا كنت لا أطيق الْيَوْمَ الذي كانت تخاصمني فيه، وأبحث عن سبيل لكسب رضاها كالطير الذي يحلق حول عشه، وما عساي أن أفعل في المذاكرة! الدروس! النادي! ويستقطع هذه الأفكار قول إنَّا لله وإنا إليه راجعون.
هالة تذهب إلى مدرستها بوجه غير مغسول وشعر غير متساوٍ، وقميص تتعارض أزراره مع عراويه! 
هالة تذهب إلى المدرسة أعين الجميع عليها بداية من المدرسات حتى التلاميذ، الكل يلاحظ عدم وجود أمها وآثاره على هندامها، وذاكرتها وطريقة إجابتها وحتى واجباتها.
هالة داخل الفصل تنام هربا من الواقع توقظها المعلمة: ألا تنامين في بيتك؟ تكتب للأب في كراسة المتابعة أرجو نوم هالة باكرا لأنها تنام في الفصل.
الأب يلاحظ عدم رفع هالة رأسها من على الوسادة إلا لتناول القليل من الطعام
الأب يغض الطرف عن هالة معللا أن الوضع صعب لن يمر بسهولة لابد من تغيرات وعلينا التعامل معها
الأب يقول لهالة في يوم حبيبتي هل من الممكن نخرج مع بعضنا غدًا؟!
هالة: لا..... أصبحت أخاف  الطرق.
الأب: سنخرج بسيارة أجرة.
هالة: لو كان لا بد أريد زيارة أمي.
الأب يشعر أن الطفلة التي كانت تتنشق على كلمة رحلة، أو فسحة، أو خروجة كبرت عشرين سنة
وأول نزهة لتخرج من هذا الألم تريد زيارة المقابر!!
الأب: يا هالة قد زدت الوجع لن يفلح الأمر هكذا، لن نقوم إلا لو تماسكنا، أرجوكم أحتاج صوت لعبكم صراخكم، ضحكاتكم، أريد البيت يرجع فيه الروح مرة أخرى.
هالة تقول في نفسها: مهما عفر أبونا في الثرى رأسه ندمًا على ما كان لن أغفر له.
لقد سلبني أمي بطيشه،  لقد كان يكثر من اللوم عليها لو نمنا، لو صحونا، لو تأخرنا، لو أسرعنا لو ذاكرنا،  لو أهملنا، لو مرضنا، لو خرجنا، لو عدنا.
اللهم اجعلني ابنة صالحة وتزيد حسناتها بدعائي اللهم اجعل أخوتي وأنا ولدًا صالحًا يدعو لها كما قال الرسول.

لكن كيف استطعت وأنا طفلة ترجمة كل المشاعر التي بداخلي؟ إنها أعماقي وخبايا لاتفتيء تؤلمني حتى أبوح، لكني لن أنطق بكلمة إلا لنفسي، لن أقلق أمي في مرقدها سأجعلها دومًا راضية عني.
كل هذه الأفكار كانت في رأس هالة حين طرق الأب بابها يريدها تخرج معه كانت عيناها المرغرغتان تجلدان قلب الأب جلدًا، وصمتها كصرخة في أذن الأب مدوية يحاول منها الفرار، وإلى أين يهرب؟ أصبح مسؤولًا عن كل شيء.
من زوج مدلل يتأمر وينهر وينتقد ويعدل، إلى طاهي وسائق ومكوجي وجليس أطفال، الأب أصبح يصرخ في كل ليلة على سريره الكبير، كان يدعو أخًا من أخوتي ليشاركه الساعات القليلة من نومه.
الأب في أمل دائم أن يومًا ما سيأتي يستيقظ يجد زوجته توقظه، وتعد له الإفطار، لكنه الموت الحقيقة التي لابد منها، الشيء المؤكد الذي منه لا ريب.
خرجت هالة مع والدها يوم لاينسى من حيث مظاهر الكرم، والمعاملة الراقية لدرجة أن هالة أشفقت عليه عندما اقترب ميعاد دفع وجبة الغداء، كانت عين أبيها تقول،: إلا أنت يا هالة، وكأنه يستغفر آلاف المرات، كان صوت دقات قلبه المتتابعة يكاد يخرق أذنها.
هالة: أبي سامحتك أنت لم تقصد أليس هذا ما تريد أن تسمعه!
الأب : هالة أرى في وجهك الصبوح أمك، فلا أريد أن تكوني حزينة، سأحاول جاهدا إسعادك، أنت ما تبقى من حطام أجمل ذكرياتي، فاجعليني أترقبك وأنت تكبرين وأحسن تربيتكم لكي ترضى عني أمك
هالة : في القلب مأتم ولست أملك زرا اضغط عليه فيتغير الحال.

 أما والله لا أرى سعادة بعد أمي فكل لقمة ابتلعتها مذ رحلت مرًا،  أرتشف الماء بعده كي ينزل.
لكن استسلام الحزين لهمومه يأس من رحمة الله هكذا قالت لي أمي.
فجدتي التي متى وضعت رأسي على رجليها ألتمس الحنان تقول: ابتعدي يا هالة إنها تؤلمني، ستذكرني بعدم وجود أمي، 
وصباح كل يوم خالي من صوتها العذب سينعق في أذني كغرابي البين.

وليس في جعبتي سوى الصبر والدعاء
فلقد كبرت في اليوم سنين وما أثقل السنوات الخاليات من السعادة والهناء!


الله مطلع علينا وأخافه فيك مخافة مستغيث، فتجاوز يا أبي عن كل كلماتي وانسها حالا.
وطمئنني أأشتري لك، أم أنت من سيشتري لنا العصير؟ ؟