داخل هذا الكون الواسع وعلى سطح الكرة الأرضية..تقع قرية صغيرة في إحدى المناطق الريفية..

قرية هادئة مطمئنة إسمها قرية أبجد،هذه القرية يعيش سكانها في ود وسلام،وأمن وأمان،قرية مطمئنة تعيش مع اللغة العربية،وتتنفس حروفها عاشقة لأنغام العربية وسيمفونية لحنها التي تأسر الألباب..

سكان هذه القرية يتميزون بجميع الخصال الحسنة،وكيف لا وهم يعيشون مع العربية،والعيش مع اللغة العربية يستلزم التبحر في معاني القرآن الكريم،وتهذيب قلوبهم بتلاوته،فأهل هذه القرية كان القرآن هو طبيبهم معلمهم وإمامهم..

هم أحفاد ابن فارس والخليل الفراهيدي..عاش أهل هذه القرية حياتهم كلهم مع لغة الضاد،تجمعهم حروفها ودلالتها..ومرت الشهور والأعوام وأهل القرية متشبثون بلغتهم العربية تماما كتشبث الطفل الرضيع بأمه..

وذات يوم زار القرية غرباء لا يعرفهم أهل القرية،وحتى هيأتهم ومظهرهم لا يوحي بأنهم أهل هذا البلد..استقبلهم أهل القرية بالحب والكرم لأن هذه هي أخلاق العربية التي تنعكس على شخصية العربي،هؤلاء الغرباء هم سياح من دولة أجنبية..جاؤوا لاستكشاف هذه المناطق لما سمعوا عنها من جمال وسحر،أعجب هؤلاء السياح بقرية أبجد،وجذبهم كرم أهلها وحسن ضيافتهم،فقرروا أن يستقروا بالقرية لمدة من الزمن..

ويا ليتهم لم يستقروا..

فبعد مدة افتتن الناس بهؤلاء الأجانب وغرهم مظهرهم ولباقتهم،وتنغموا بلغتهم اللاتينية،وسرهم لطفهم وتوددهم إليهم،فانسلخ أهل القرية من لغتهم الأم وزحفوا نحو لغة هؤلاء الأجانب،ظنا منهم أنها لغة الرقي والتقدم،ومؤشر النهضة والازدهار..إلا أنهم قد خاب سعيهم وانهارت القرية وفقدت سكينتها التي كانت تحل عليها بفضل بركة القرآن،فقد نسي أهل القرية كتاب الله وأصبح جل همهم الكتب اللاتينية وأخبار تلك الشعوب واستيراد ثقافتهم كيفما كانت دون تمحيص أو تدقيق..

ولما نزل مؤشر القرية نحو الانحطاط،وكانت كل الأحداث تنبئ بزوال قرية أبجد نهائيا،القرية التي كانت منبع العربية،تنكرت للغتها فكان مصيرها الزوال..

ولكن في آخر لحظات القرية يظهر بطل دفعته الحمية والغيرة على لغته الأم،وعلى صفاء وسكينة قريته،بطل مقدام شجاع اسمه رقيم،يشبه في شجاعته وغيرته وصموده البطل صلاح الدين الأيوبي وقطز والفاتح،وعز الدين القسام..

قادت غيرة هذا البطل وعشقه للغته العربية،قادته إلى بذل كل الجهد من أجل إحياء مجد اللغة العربية وإخراجها من بين أنقاض الثقافات واللغات الأجنبية القاتلة المملوءة بالسموم..

فخرج يطوف القرية ويذكر الناس بلغتهم،يخطب هنا وهناك..تارة يتباكى حال أهل قريته وتارة يوبخهم على ما صاروا عليه،وتارة أخرى يشحذ هممهم من أجل العودة للغتهم والتشبث بها لأنها لغة العظماء ومؤشر الحضارة..

فأقام هذا البطل جمعيات خاصة باللغة العربية..ونشر كتبا في فضلها وتاريخها ومميزاتها وثروتها..ولم ييأس أو يجزع،بل صبر واحتسب أجره عند الله عز وجل..

فتراه في ساحة القرية يصرخ.."أيها الناس قد خاب وخسر من تنكر للغته".."أيها الناس بئس القوم قوم تركوا لغة القرآن".."أيها الناس إن العربية درع متين وحصن حصين وهبة ربانية ألا فهلموا إليها"..وتراه بالمسجد وعلى الطرقات وبين الأزقة يجذب هذا ينبه هذا يشد على يدي هذا،يهدي مصحفا أو كتابا بالعربية،يحاول بحسرته على لغته أن يحييها من جديد في قلوب أهل قريته..

ولكن بطلنا هذا لم يكن لينجح دون مساعدة،فالبتأكيد كانت إلى جانبه رفقة صالحة تؤمن بنفس مبادئه وأفكاره وتشد عضده،هما صديقيه قالون و الأدهم..

وهكذا بفضل هذا الثلاثي العربي الخالص وبمجهوداتهم الجبارة،عاد الناس هرولة إلى لغتهم يلتمسون الصفح عنهم والعفو لما لقيته لغتهم من أذى جراء تنكرهم لها،وعادت السكينة لتحل على القرية من جديد،فتعاهد أهل القرية ألا يتركوا لغتهم مهما حصل وأن يدافعوا عنها حتى آخر نفس،وعاشوا جميعهم في سلم ووئام داخل حضن اللغة العربية..

رَجَعْتُ لنفْسِي فاتَّهمتُ حَصاتِي 

وناديْتُ قَوْمِي فاحْتَسَبْتُ حياتِي 

رَمَوني بعُقمٍ في الشَّبابِ وليتَني

 عَقِمتُ فلم أجزَعْ لقَولِ عِداتي

 وَلَدتُ ولمَّا لم أجِدْ لعرائسي 

رِجالاً وأَكفاءً وَأَدْتُ بناتِي

 وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغاية

 ً وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ 

فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة ٍ

وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ 

أنا البحر في أحشائه الدر كامن 

فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي 

فيا وَيحَكُم أبلى وتَبلى مَحاسِني

 ومنْكمْ وإنْ عَزَّ الدّواءُ أساتِي

 فلا تَكِلُوني للزّمانِ فإنّني

 أخافُ عليكم أن تَحينَ وَفاتي

 أرى لرِجالِ الغَربِ عِزّاً ومَنعَة ً 

وكم عَزَّ أقوامٌ بعِزِّ لُغاتِ 

أتَوْا أهلَهُم بالمُعجِزاتِ تَفَنُّناً 

فيا ليتَكُمْ تأتونَ بالكلِمَاتِ

 أيُطرِبُكُم من جانِبِ الغَربِ ناعِبٌ 

يُنادي بِوَأدي في رَبيعِ حَياتي

 ولو تَزْجُرونَ الطَّيرَ يوماً عَلِمتُمُ

 بما تحتَه مِنْ عَثْرَة ٍ وشَتاتِ 

سقَى اللهُ في بَطْنِ الجزِيرة ِ أَعْظُماً

يَعِزُّ عليها أن تلينَ قَناتِي

 حَفِظْنَ وِدادِي في البِلى وحَفِظْتُه 

لهُنّ بقلبٍ دائمِ الحَسَراتِ

 وفاخَرْتُ أَهلَ الغَرْبِ والشرقُ مُطْرِقٌ

 حَياءً بتلكَ الأَعْظُمِ النَّخِراتِ

 أرى كلَّ يومٍ بالجَرائِدِ مَزْلَقاً 

مِنَ القبرِ يدنينِي بغيرِ أناة ِ

 وأسمَعُ للكُتّابِ في مِصرَ ضَجّة ً

 فأعلَمُ أنّ الصَّائحِين نُعاتي 

أَيهجُرنِي قومِي-عفا الله عنهمُ 

إلى لغة ٍ لمْ تتّصلِ برواة ِ 

سَرَتْ لُوثَة ُ الافْرَنجِ فيها كمَا سَرَى

 لُعابُ الأفاعي في مَسيلِ فُراتِ

 فجاءَتْ كثَوْبٍ ضَمَّ سبعين رُقْعة ً

 مشكَّلة َ الأَلوانِ مُختلفاتِ

إلى مَعشَرِ الكُتّابِ والجَمعُ حافِلٌ

 بَسَطْتُ رجائِي بَعدَ بَسْطِ شَكاتِي

 فإمّا حَياة ٌ تبعثُ المَيْتَ في البِلى

 وتُنبِتُ في تلك الرُّمُوسِ رُفاتي

 وإمّا مَماتٌ لا قيامَة َ بَعدَهُ 

مماتٌ لَعَمْرِي لمْ يُقَسْ بمماتِ

قصيدة اللغة العربية  لحافظ إبراهيم