على طريقة "إيفان فيدوروفيتش" في رواية "الإخوة كارامازوف" أكتب إليكِ هذا البلاغ الأخير،
لقد أحببتك فأسرفت.. أدركت متأخرا أنه ما كان يجب أن أبقى بجانبك لقد سئمت من أن أكون كل مرة شاهدا على تمزقاتك وجنونك، إنك لا تتعلمين من أخطائك أبدا رحيلي صامتا كان أحفظ لكرامتي أنا وأقل وطأة على جروحك أنتِ ولا تعتقدي أنك الضحية الوحيدة هنا فلقد شربنا معا من كؤوس العلقم والكوثر، إن انشغال الإنسان بهواجس مخاوفه يجعلها تحوم حوله كالشياطين وأنت دائما كنت تخافين الفراق لهذا حدث ما كنت تخافينه.. أعرف بأنه يرهبك سماع الحقيقة لهذا أكتفيت بنصفها فقط بالرغم من مرور هذه الأعوام المظلمة طامسة بأقدامها أيام شقائنا تاركة لنا فقط تذكارات موجعة تثير في أعماق النفس تنهدات الأسى والأسف.
ساذجة جدا عزيزتي أنتِ، ولا تحسنين التصرف ولا تعتقدي بأني ملزم بصوم الدهر عن كل قسم أديته بمحرابكِ وحنثت فيه، فلقد صمت ما يكفي عن الكلام طوال هذه المدة.. أعرف بأني أنزلت بك عقابا قاسيا ما كنت تستحقينه إلى أن عانقت أجنحة الموت لكنكِ لم تتعلمي أبدا..
لقد صددت في وجهك كل الأبواب بسبب تصرفاتك الهوجاء وأخبرتك ألف مرة بأنكِ لا تهمنني أبدا ومستحيل أن أعود إليكِ، لكني بيني وبين نفسي كان هناك لسان آخر يقول إنك تهمنني جدا إنك لا تعرفين ماذا يعني وجودكِ بالنسبة إلي فقط دعيني وحدي لبعض الوقت وكفي عن التصرف بحماقة وسيكون كل شيئ على ما يرام، لأني لم أعد أطيق أن أكرر نفس الكلام مليون مرة كل يوم لأني لست بصبر "سيزيف" حتى أتحمل كل هذا الإستهتار والنزيف لكنك لم تفهمي ذلك أبدا واستقليت أول مركب مر بجوارك..
كما إني كرهت أن تحيكي وراء ظهري خيوطا أمقت ألوانها وعندما أكتشف ذلك تجيبين بأنك فعلت هذا من أجلي إن أمرا كهذا يدفعني إلى الجنون..
أعرف بأنه لا حق لي في أن أحاسبك على ماض عشته قبل أن تعرفيني، لكن كانت هناك صفحات انتظرت طويلا أن تفتحيها أمامي لكنك لم تفعلي ذلك أبدا وسيكون جوابك الأبدي الذي يدفعني دوما إلى الجنون " فعلت ذلك من أجلك "..
إني مع الأسف وبكل بساطة أكره أن يفعل أحد ما شيئا من أجلي...
إننا نحن معشر الرجال نكره أن نعرف أشياءا عن ماضيكن معشر النساء من أفواه غيركن، أو نعرف ذلك بطرق المكر والخديعة
لهذا عزيزتي أهديك اليوم نصيحة أخيرة حتى وإن كان الأوان قد فات.. أخبري ذلك المحترم بكل شيء عنك، وبطريقة أدق أخبريه حتى أين كنت أضع النقطة والفاصلة حين كنت أكتب إليكِ، أخبريه أن النقط التي كنت أكتبها إليك هي لغة أخترعناها أنا وأنتِ ولا يستطيع أحد أن يقرأها إلاكِ، أخبريه أن الأربعين وعشرين ساعة اختصرناها في ساعة فقط، وأن الشهر كان عندنا مجرد يوم فقط.. أخبريه أنه في يوم ما لم نر الليل أبدا كنا في شمس المساء وفجأة أشرقت شمس الصباح هكذا بكل بساطة.. أخبريه عزيزتي بالفواصل وبعلامات التعجب والإستفهام، والحركات والسكنات، وبأيام الشدة وبالدموع والضحكات واللقاءات القليلة والنغمات، أخبريه بالفواجع والمواجع، أخبريه بذلك أفضل من أن يكتشف ذلك بنفسه فهذا أهون بالنسبة إليك ما دمت في بداية الطريق.. إننا نحن معشر الذين لا نصلح لشيء سوى للجحيم إن رأينا دخانا نتبعه سواءا هدانا إلى النور أو إلى النار، لأن فضولنا ينتشر في السر كالهواء أخبريه لأني اليوم أخرج من حياتك إلى الأبد.. وحتى أساعدك كي تكوني وفية له سأقفل كل بوابة قد تفضي بكِ إلي فلم يعد هناك داعٍ أن تراسليني أوتحديثيني عن تفاصيل يومياتك، ولن تكوني مضطرة أن تسجلي رقمي على هاتفك باسم فتاة فلقد كنت أراقبك دائما طوال هذه السنوات وأعرف عنك كل شيء بطرقي الماكرة.. وأكتب إليك رسائل لا تصل أبدا لأن رقابة ممحاة الضمير كانت أقوى من خيوط الوصال.
وقبل أن أنهي فوضى الحروف والشعور هذه، سأخبرك بسر أخير صغيرتي.. أنت لم تكوني حلمي الأكبر ولكنك تجسدت أمامي في صورة ملاك بل تجسدت في كل صور القناعة لأني وجدت فيك مرآة لنفسي تحبين أشياء أحبها وتكرهين أمورا أكرهها بشكل مطلق.. لهذا توقف الزمان عند عينيك وأنزلت رحالي بوادك الجريح ولكن مع الأسف تعرفين نهاية الحكاية.....
إن كيدكن عظيم معشر النساء في انتصاراتكن فقط، لقد كان انتقامك مني غبيا وقاسيا في نفس الوقت إنك لم ترسمين حتى طريق العودة لنفسك من الجحيم فكيف تسمين هذا انتقاما.. تمنيت أن أراك وردة بعد رحيلي بالرغم من الشوك الذي يزحف في طريقك تمنيت أن أشعر بالندم.. لكني لم أشعر إلا بالأسى والأسف إلى ما آل إليه انتقامك وحياتك.
إنه جنون ما بعده جنون أن يحشر الإنسان رأسه بين الكتب طوال عشرين سنة، ثم في النهاية يرتكن إلى الأعراف والتقاليد ضاربا كل مفاهيم الإستقلالية والحرية عرض الحائط...
اليوم إلى هنا وكفى تعبت من حمل هذا العبئ الثقيل في كياني أينما حللت.. اليوم أخرج من حياتك إلى الأبد وليس من حقك أن تؤاخذني أو تحقدي علي لأن العقاب الذي أناله أنا أقسى كثيرا من العقاب الذي تناليه أنت ..حسبي عقابا أنني لن أراك بعد اليوم أبدا، أعرف بأني قد لا أكون وفيا لهذا الرحيل وقد يكون كلامي هذا مجرد ضرب من الخيال أو حبر على ورق ،
ولكن أضمن لك أمرا واحدا ولا يأخذنك فيه شك .. سأحاول جاهدا أن لا أعود إلى طريقك مجددا سأعود فقط لعاداتي السيئة دون أن ألتفت لوعيد الضمير وسأعود لجبر انكسارات خواطري وجمع شتات حروفي التي ضاعت بين ثنايا تنهدات قلبك معذبتي...
اليوم أخرج من حياتك كما تخرج الروح من الجسد فلن تكوني عزيزتي مضطرة أن تدعي أمامي أنك تجاوزتني بسلام وأصبحت نسيا منسيا بالنسبة إليكِ، إنك حتى الآن ما زلت تتحدثين بحروف وكلمات من نسج خيالي لهذا صغيرتي توقفي عن التمثيل أمامي بأنك تعيشين سعادة غامرة فحيل كهذه لا تنطلي علي أبدا.. فلا تنسي بأني أحفظك كما أحفظ سورة الفاتحة بل أعرفك كانعكاس صورة السماء على الماء فلا تحاولي حجب السر في صندوق من زجاج وقطعا لا تظني بأن كل هذا مجرد قضاء وقدر،
لأن القدر مجرد كذبة نغطي بها تعثرنا و فشلنا وسخطنا في مستنقعات الحياة، لأننا لم نتعلم الإعتراف بالخطأ بل دائما نختبئ وراء ستار أعذار واهية..
إنني حتى الآن قلت أشياء تعرفينها مسبقا، وأعرف أني كتبت إليكِ بطريقة قاسية جارحة بحروف من الجمر... وحتى الآن لم أستطع أن أطلب الغفران بين يديك لأني لا أستحقه.. لقد آلمتني إيلاما فيه من الوعي والعمد ما يجعلني حتى هذه اللحظة لا أستطيع أن أغفر لك مطلقا فوداعا ولا تمدي إلي يدك سوف أغفر لك في المستقبل أما الآن فأتمنى أن تتخطي صفحاتي بسلام ...