مع تفاوتِ الأجيالِ وتباينِ العصورِ؛ علقت الطيور في تسيير أمورِها وصناعةِ قراراتها بين أمرين؛ أولٌ قائلٌ برأي ذوي الخبرة -الذين اقتصروا خطأً على الطيرِ متيَبِّسِ العظمِ شائبَ الريشِ- وثانٍ تحمَّسَ لعنفوانِ الشبابِ وضرورةِ إعطائهم في ساحةِ الرأي مساحة.

وفي أحدِ الأيامِ همَّت الطيرُ الخماصُ أن تغدو محددين طريقَهم شرقًا؛ فأوقفهم أحدُ المنصورين بالرأي الأول -والذي لم يسبق أن غدا منذ خريفين وهجرة- قائلًا: إني أعلم منكم بمكان طعامكم، فاتجهوا غربًا.
ثمَّ أخذَ يتحدثُ عن صولاتِهِ وجولاتِهِ بين الأعشاش، وأنه يعرف كلَّ غصنٍ فوق كل شجرة؛ فأذعن المستمعون لقوله وحلقوا غربًا، فما هي إلا بضع ساعاتٍ حتى حان وقتُ الرواح، وإذ بهم راحوا مثلما غدو.

لم يرُق الأمر لبلبلٍ يُسمى لبيبًا، كان لبيب يناصرُ فكرة اختلاف الزمان ومطالبًا بمساحة للشباب في الرأي.
فهمَّ بالصفير وغرَّد: يا ذوي الأجنحةِ المرفرفةِ؛ لمَّا كان من طبيعةِ الأزمنةِ التقلبُ والتبدل وجَبَ على عرفنا الحاكمِ أن يلين ويتشكل معه، فإنَّهُ لو تَصلَّبَ لتكسَّرَ بمرور الزمن وهلكنا على إثره.
لم يكن شيبُ الريشِ يومًا دليلًا على الخبرة ورجاحة العقل إلا في بعض مجتمعات البشر الضالة، فرُبَّ صغيرٍ كان خبيرًا، وكبيرٍ كان غُمرًا.

جموعَ المغردين؛ إن كبيركم واجبٌ احترامه، لكن هذا لا يعطيكم حقَّ تتفيهِ ما يمرُّ بهِ صغيركم من ضوائق، فلا شك أنَّ مثلها كانت تنغصكم يومًا، وربما كانت خاصتهم أشد.
إنَّ من دوركم أن تكونوا لهم مشجعين لا مقللين من شأن جهودهم ولو صغرت، فإنهم على صغرهم قد مروا بما لا أظنكم مررتم بهِ؛ فكونوا دافعًا لهم باثِّين الأمل فيهم وتلطفوا؛ فذاكَ جيلٌ يحلقُّ نحو غدٍ مجهول بأجنحةٍ ملأتها الجروح، رافعًا شعار «ليتَ المشيبُ يجيءُ سريعًا؛ فأخبره بما فعل الشبابُ».

_عبدالرحمن زايد.

#مملكة_الطير.