*   لا تربية من غير تأديب :

     تعرف مجتمعاتنا تحولات كبرى وبوتيرة سريعة ، وهذا يؤثر على جوانب من حياتنا الاجتماعية والأسرية بشكل خاص ، وعلى سلوك الأفراد مع بعضهم البعض .

     ولا يخفى على أحد ؛ أن جوهر الروابط الأسرية أساسها : التكافل والتعاضد الذي يقوي الروابط واللحمة بين الأسرة الواحدة .

     وتفكك المجتمعات من تفكك خليته الأولى الأسرة، لذلك تبقى التربية وفق المبادئ الحقة ، هي صمام الأمان لكل تجمع أسري ، يهدف إلى البقاء والاستمرارية لأجل تكثير النسل ، والمساهمة في جهود الإصلاح والصلاح .

     من هنا تختلف كل أسرة عن غيرها من حيث وعيها التربوي السائد ، باختلاف البيئات، والثقافات ، والخبرات ... فما يصلح لأسرة زيد ، قد لا يناسب متطلبات أسرة عمر وهكذا ، فالتربية تبقى عملية شاقة وصعبة ، تتطلب جهدا وصبرا ومثابرة وبذل جهد للتثقيف الذاتي لأجل اكتساب المهارات التي  تناسب تحديات العصر . 

       من هنا كانت التربية الناجحة تتطلب وعيا ناضجا منفتحا ومطلعا على ما تجود به أقلام المتخصصين وأصحاب الريادة في هذا المضمار .

     لأجل ذلك لا تربية من دون تأديب ؛ فطبائع الأطفال تختلف بين من له طبيعة مسالمة ،  وبين من له شخصية مشاكسة عنيدة ، من هنا كان التأديب على درجات متفاوتة ؛ وينطوي عل وجود سلطة تؤدب وتصوب سلوك الطفل من غير ظلم أو تعنيف يؤذي المتربي .


     

   *  لا تأديب من  غير تخطيط  :  

     إن قضية التأديب  لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الأهداف التربوية التي تسطرها الأسرة لأجل بلوغها، فنجاح مساعي الوالدين رهين بسياستهما التربوية داخل جدران البيت ، لذلك قضية التأديب تتطلب منهجية واضحة الرؤية لدى الوالدين ، وأن يتم تقنين العقوبة بناء على وجود شروط ؛ كتلك المرتبطة بوجود تفريط إلى حد التسيب والتمرد على قواعد البيت ، فالأصل أن الطفل يتلقى المبادئ و التوجيهات والمثل من خلال الممارسة اليومية، وقدوته في ذلك ما يصدر من الوالدين من أقوال وأفعال ومواقف ...تسهم  في  بناء شخصية الطفل  بناء متوازنا  .

     إذن التربية الإيجابية وما يصاحبها من بذل جهد تربوي وعطاء يستغرق كل وسع المربي ( الوالدين)؛   لا بد معها من حزم وهيبة حتى تأتي جهود الإصلاح أكلها ؛ فالتأديب يحتاج إلى  حزم من غير عنف  ولا إهانة ....

     وحتى يكون لجهد التأديب معنى ؛ يتعين  أن يرتبط بالتطبيق الفوري  للعقوبة المحددة ، حتى يتعلم الطفل من الموقف الذي حدا به لنيل العقاب ، وهذا ما يسمى بالتربية بالمواقف .

      فالأصل أن التربية تكون بالمصاحبة والتوجيه بالتي هي أحسن ، لكن هذا لا يتعارض مع وجود حيز لتوقيع حد العقوبة  ، وتبقى هذه الأخيرة جهدا مكملا ليس إلا ، لكن الناظر إلى أحوال بعض بيئاتنا التربوية ؛  كأقسامنا الدراسية  مثلا ، نجد أن  الأصل هو توقيع العقوبة ولا بديل عنها ، في حين أن الجهد الإيجابي يقلل من الحاجة لتوقيع العقاب ، وهذا يتطلب  نوعا من المران  والتكلف إلى أن يتم  اكتساب المهارات اللازمة لبلوغ أرقى النتائج .

     التأديب أثناء الممارسة التربوية يحتاج إلى تخطيط مسبق يتوافق عليه الوالدين مع أبنائهم، مثلا : إذا ضرب الأخ الأكبر أخته الصغيرة وأضر بها ، وتكرر ذلك ، فإن العقوبة هو حرمانه من استعمال دراجته لمدة أسبوع.مثلا لا الحصر......

     وهكذا فالتأديب يتطلب حزما من غير استهتار أو تراخ ، أو لا مبالاة   حتى يتم وضع الأمور في نصابها ، بجدية وإنصاف بعيدا عن كل تهديد أو وعيد أو صياح.... وهذا من شأنه أن يبني لدى الطفل عقلية توازن بين الخطأ والصواب ، بمعنى آخر كل سلوك غير منضبط لقواعد النظام المتفق عليه في البيت ، يترتب عنه ، حق التأديب ....

      ويبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول المربين  والقدوة الحسنة في التوجيه والتعليم : وحسبنا أن نذكر ما روى عنه  خادمه أنس رضي الله عنه :  أنه صل الله عليه وسلم ((  ما ضرب بيده شيئا قط ، لا امرأة ، ولا خادما ، ولا دابة  )) .رواه البخاري وغيره .

   

        إن تربية الأبناء فن وعلم ،  وموهبة  ، فلا تربية من غير تخطيط أو  اهتمام ، كما أن الحياة العامة   تتغير، فإن الأبناء يكبرون ويتطورون  بين  مرحلة عمرية سابقة ، و أخرى لاحقة ، وهذا يتطلب من المربين أباء وأمهات، و من كل مسؤول عن رعيته ؛ وعيا متجددا ويقظة راقية تتناسب مع حجم التحديات .

      وتبقى مسائل  التربية  من أكبر الفضائل الإنسانية ،  والقضايا الحية في المجتمعات ، نظرا لمواضيعها المتشعبة  ،  والمتفرعة ،والمتجددة   ؛  التي لا يمكن حصرها في مقال أو بضعة أسطر، لكن أول الغيث قطرة ، ولمن يهمه الأمر ويحتاج إلى  المزيد،  له مقاليد الأمر، ليشق  طريقه نحو البحث والتدقيق ....

    ونتمنى التوفيق للجميع مربين ومتعلمين .


ولا أدرك الحاجات مثل مثابر  ***

                            ولا عاق منها النجح مثل توان

                  


...