قد يقول القارىء أن  هذا العنوان جملة إنشائية ، وهو كذلك؛ لكنها جملة تأطيرية لنشأة إنسانية راقية ؛ نعم !  إنه العنوان المميز لأجل احتضان المراهق الإنسان ؛  فلا تزده رهقا !!...

   لمزيد من الفهم ، سأفصل لكم معنى   الجملة  بكل أناة ..!!  

        يشتكي المراهقون من كثرة النصح والإرشاد المقدم لهم من لدن  أبائهم وأمهاتهم  ،فمنهم من يتعامل مع كثرة النصائح بروح العناد ، وبدل حسن الإصغاء ؛ هناك من يتولد له  عن سماع النصيحة   رد فعل  سلبي كالتمرد ،  والتنمر  ؛ لأن معظم المراهقين قد يرون في النصح نوعا من اللوم أو العتاب المبطن ، وهذا يدل في معظم الأحيان، عن نوع الحساسية ورهافة العاطفة لدى المراهقين ،بالنظر إلى مرحلة التقلبات التي يمرون بها. 

   من هنا وجب طرح السؤال إلى  أي حد يمكن الاحتياج إلى   توجيه النصح ؟ ومتى يمكن ذلك ؟

      * المراهقة : مرحلة التحولات والتقلبات 

   لا بد أن نعلم جيدا أن المراهق يمر بتحولات وجدانية وفكرية وسلوكية وفسيولوجية  ...وقد يرى في نفسه صورة من الارتقاء نحو الرشد الذي يعني له  خروجه من عباءة الطفولة  ، إلى صورة النمو  <<المكتمل >> ، بل  الأكثر من ذلك فإن المراهق اليوم ،يجد نفسه في وضعية المقارنة بينه وبين المراهقين الآخرين ،  سيما الغربيين منهم ،  خصوصا والعالم أصبح قرية كونية ، إذ تحطمت الحدود والخصوصيات بفضل مؤثرات العولمة ، وتحديات الثورة التكنولوجيا ، وتحكم   الأنترنت  بسلوك الأفراد والجماعات واستيلاب الناس وعيهم ، وسقوطهم  في شباك التبعية للغير  ...

    أمام هذا المعطى  ، فإن مساحات المقارنة  بين المراهقين ؛ تتسع من حيث الحريات والسلوكيات والمظاهر التي قد تدفع ببعض  المراهقين إلى تقمص أنماط  شخصيات  قد تسلبهم الإرادة ، فيخضعون لسلطان التقليد الأعمى ....

    لأجل هذا وغيره ، يتطلب الوضع منا  أن ندرك أن الخطاب الذي يليق بالمراهق ، هو ذاك الخطاب الذي يضمن الاستمرارية في التواصل معه ،  بما يستجيب لحاجياته ، وفهم عواطفه بصورة أرقى وأدعى لمعالجة العواصف التي  يمر بها ، إذن نحتاج كموجهين ،ومربين ،ومدربين ،إلى  خطاب مختلف عن ذاك  الذي  وجهه لنا أباؤنا وأمهاتنا  أيام الصبا  .

    ولنا أن نتفق جميعا ؛  أن الإنسان مهما تقدم به الوعي وارتقى في سلم النضج ، فإنه يبقى في  حاجة ماسة ودائمة للتوجيه والنصح (  وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين  ) .

      *كيف نساعد المراهق ؟ 

سؤال ينبض حيوية ، وللأسرة المسؤولية في الإجابة عن هذا الطلب الملح. 

   فكلما كان الجو الأسري أكثر استقرارا ، كلما انعكس أثر ذلك على نفسية وسلوك المراهق ، بصورة إيجابية ،والعكس صحيح .

    لأن الأسرة الهادئة، هي الحضن الطبيعي لإنماء المراهق واكتمال رشده ، وشد عضده ، من خلال   تشربه للقيم والمبادىء الأخلاقية  التي تروي وجدانه  و روحه عبر بوتقة  الممارسة اليومية ، والاندماج الاجتماعي الإيجابي  ، في حضن  الأب والأم والعائلة بصفة عامة . 

        * دعم المراهق  وحمايته :

     المراهق له حق العناية به ، وغمره بالمشاعر الفياضة التي تشحذ همته الإيجابية ، ورفع منسوب الثقة لديه ، بما يحقق له توازنا نفسيا يمكنه من التعبير عن وجوده بطريقة  هادئة بعيدة  عن كل تمرد وانحراف .

    المراهق يحتاج لمن يساعده على اكتشاف مواهبه  ، وأن يعرفه بنقط قوته ،  ويوجهه إلى الاهتمام بها بما يؤهله لتحقيق الصلاح في ذاته أولا وفي بيئته ثانيا.

    المراهق يحتاج إلى محيط اجتماعي نظيف  ، يحميه ، والذي لن يتحقق ألا بوجود  رفاق الخير ؛ وقد قيل :  الصاحب ساحب ؛ إما إلى روافد الخير ، أو إلى أودية الانحراف .... فاختيار الأصدقاء ، من العناوين الكبرى التي تأطر مرحلة المراهقة. 

    فالأسرة إذن: تحمي أبناءها بحسن تتبعهم  ولو من بعيد ، وأن تساهم في تحصين صداقاتهم   بإبعادهم عن الأشخاص السيئين.... فالعثور على صديق جيد للمراهق ، أسهل من تخليصه من رفاق السوء بعد حين ..

    المراهق يحتاج من الأسرة ومؤسسات المجتمع ؛  كل دعم يقوده لإنماء بذور الخير فيه ، وتبقى الأسرة  الحضن النموذجي الذي يبصم شخصية الفرد .

    كل مهتم بهموم المراهق ،  يحتاج في رحلته  معه  إلى أن يجدد معين  التثقيف الذاتي ، وأن يتم الاطلاع على جديد الخبرات والبرامج التربوية المسعفة في هذا  بالأمر ، وكذا الانفتاح على علم النفس وما جاد به من نصح  في هذا المجال ، حتى تتحقق مساعي النجاح .   و يتم الوصول  بالمراهق  إلى بر الرشد ،  ونضج الشخصية  ، لتكتمل الرجولة فيه  ،وتزهر مخايل  العطاء والمروءة التي تضفي على حياته معنى الفتوة والشباب .

     خلاصة الكلام ، لا تزد المراهق رهقا !!  بل زده  كرما ،  واهتماما حتى يحس بعمق الروابط الأسرية التي تحضنه  وترعاه  وتحميه  لذاته ولمستقبله. .