قد تذبل الأعماق الدفينة في الفرد ، ويصيبها  الخواء وضمور الروح؛  بين ثنايا الفراغ بسبب نوازل الحياة التي تتقلب فيها الأقدار بين فرح ،وقرح، وبين شدة ،ورخاء .   

   وقد يبقى الأنسان شاردا لفترة من الزمن، بسبب القلق الذي يقض مضجعه، والتفكير في وساوس الحياة ومستقبل الأيام.... 

  ويبقى السؤال الحي الذي يثير نبض الحياة ؛ هل خلق الإنسان  لأجل  أن  يجتر  الألام،   ويستسلم   للأوهام ؟

 أليس الأجدى أن نبحث في  معاني  الحياة التي تستجيب للفطرة  السليمة التي اعتنى بها جوهر هذا الدين ؟!

    إليكم أهدي زبدة من الأفكار التي أينعت بخاطري بعد قراءة متأنية لكتاب أحسبه من جواهر المؤلفات التي تحتاجها مكتباتنا اليوم. إنه كتاب جدد حياتك ؛لمؤلفه محمد الغزالي رحمه الله تعالى، كتاب جاء  لأجل تجديد الفهم بهذا الدين،  ومحاربة الجهل الذي غشي البصائر من جهة ،  ومن جهة أخرى يعد هذا الكتاب ردا على صاحب كتاب دع القلق وابدأ الحياة لمؤلفه ديل كارنيجي  .

  ينطوي هذا الكتاب جدد حياتك  على درر فكرية تفتح العيون عل  أفق نحو التغيير، وتجديد الأفكار والتصورات التي قد تبلى بسبب الأمية الفكرية التي ابتليت بها بيئاتنا الاجتماعية ،والثقافية ،والفكرية والتربوية ،والدينية برمتها  .

   جدد حياتك للمفكر الداعية محمد الغزالي ، أعتبره صرخة العالم في قالب  دعوي فكري ، عبر  قناة  التوجيه التربوي العلمي؛   توجه القارىء إلى أن يؤمن بأن هذا الدين هو دين الفطرة ، الذي يستجيب للطبائع السليمة ، وتعاليمه المبثوثة في أصوله متنفس طلق لما تنشده  النفوس من كمال وتسكن إليه  . 

وأنا أقرأ هذا الكتاب، استوقفتني جملة من الإشارات تغرس في الوجدان معنى أن تجدد حياتك وانت على هدى البصيرة وقد قال في الفصل الأول: (( أن البعد عن الله لن يثمر إلا علقما، ومواهب الذكاء والقوة والجمال والمعرفة تتحول إلى نقم ومصائب عندما تعرى عن توفيق الله، وتحرم بركته  )) .

 جدد حياتك بقدر ماهو عنوانا لكتاب ، بقدر ما أعتبره مبدأ يتعين تفعيله في طريق الفلاح في هذه الحياة .

  فالإنسان مطوق  بأمانة  الاستخفاف التي  تلزمه   بأن يتسلح بقوة الإيمان والاعتصام بحبل الله المتين ، والتيقن بأن ماعند الله هو الأصلح للفرد والجماعة، ويثير الداعية الغزالي بنبض الضمير الحي؛ قضية العلم وعلاقته بالعمل ؛ إذ يعتبر محمد الغزالي:(( إن العمل يحيي القلوب بالمعرفة اليقظة الدافعة .

والعلم الناشىء عن العمل هو خلاصة المران والتجربة )).

  غير أن هذا الكتاب ؛ يحوي بين ثنايا سطوره حكما بليغة ،تنضاف إلى نسل بدائع الداعية الغزالي الذي يؤمن كما نؤمن جميعا ؛ بأن آفة الفراغ تولد آلاف الرذائل، وتختمرجراثيم التلاشي والفناء، والعاطلين والمتقاعسين عن الإنجازات النافعة ، هم في عداد الموتى  لا حصاد لهم إلا البوار والخسران . 

   وحتى يحافظ الإنسان  على إنسانيته الجالبة للخيرات؛  لا بد له أن ينأى بآدميته عن إعصار التفاهات التي قد تلتهم حياته التهاما ، وله أن ينشغل بجواهر الأعمال، والأفكار والإلتزام بجميل الأقوال . 

   ولا أخفيكم أن هذا الكتاب جاء في حلة أدبية رشيقة القوام ، بديعة الصياغة، وقد زينها بجمالية النظم الذي يحيي في الأرواح نفس التفاؤل الذي يشرح الصدور .

   وقد اخترت بعضا من ذلك كما جاء في بعض الأبيات الشعرية لمحمد مصطفى حمام إذ يقول :

 علمتني الحياة أني إن عشت ****

لنفسي أعيش حقيرا هزيلا .

علمتني الحياة أني مهما **** 

أتعلم فلا أزال جهولا. 


  جمالية  هذا الكتاب تكمن في اللمسات  التوجيهية لبناء الأفكار التي تغرس في أعماق الإنسان جملة من القواعد التي تنضبط بها  المسيرة في هذه الحياة : فقد بين فضيلة الشيخ بعضها بالقول :

 _ حياتك من صنع أفكارك 

 _هل تستبدل مليون جنيه بما تملك ؟ _أنت نسيج وحدك .

_ اصنع من الليمونة الملحة شرابا حلوا. 

  _  كن عصيا على النقد .

 _  حاسب نفسك .

_ نقاء السر والعلانية . 

    إن القارىء لهذا الكتاب، يشعر وكأنه في دورة تدريبية لتجديد روح العطاء المعنوي ، ومن يرغب في معرفة قدر الكتاب عن قرب ، لا يسعفه إلا بعضا من السويعات يقضيها في قراءته ، وينهل من صفحاته بعض الحكم، التي تحتاجها الأنفس منذ أكثر من أي وقت مضى ، لما لا والكل يشهد  على مدى النكوص، والتقهقر الذي احتل الأبدان قبل الأوطان.  

   فمعنى أن تحيا بنور المعرفة  : فذاك مسلك للتعلم والظفر بحقائق الأمور  ؛وقد قال الأقدمون : (( بضدها تتميز الأشياء )) .  

فمن الخلاصات التي سطرتها في كناش ذكرياتي بعد قراءة هذا الكتاب ، أذكر لكم ما يلي :

  _ جدد حياتك ، وعش في حدود يومك.

 _ وعش على سجيتك، ولا تذوب في شخصية الآخرين  .

_ ولا تركن للتوافه، فتغلبك على أمرك  .

_ وبقدر قيمتك يكون النقد الموجه لك.

 وقبل أن أختم مقالتي هذه ، أهديكم  نفاثة أفكاري، تزينها خافقات  أشعاري عن هذي الحياة ؛

   كل الناس يغدو في هذي الحياة 

   بين أوردة البصيرة والنجاة 

ووهاد النازلات المنزلة 

بحسب امرىء أن يروي أوتار القيثارة 

جدد حياتك بعطر القصيدة 

تصفو لك أقداح الحكمة والسعادة 

فالدنيا تشكو وأهلها 

عسر السماحة والملاحة

 وحميا الجفوة والبلادة 

فلذ ببراق الخلق الندي

 يسمو بك أيك الزينة والبراءة .