في الصباح عوضت ما فاتها من نوم الليلة، لم ترغب أمها في إيقاظها، لكنها وعدت أحمد الذي هاتفها وكان يرغب في الحديث إليها، أنها ستخبرها عن رغبته في زيارتها لولا ضغط العمل وطبيعته، وأنه سيأخذها في جولة في الغذ نهاية الأسبوع ..حدثتها أمها بذلك أثناء فطورها المتأخر،  كما خاضا في قصة والدتها وكيف قبلت بالزواج من أبيها، كانت ذكرى تريد سماع المزيد علها تشغل نفسها بأمر غيرها، فتطرد الهواجس. إشتكت لأمها الملل، لكنها فضلت المكوث في البيت على مقابلة النسوة والتعرض لأسئلتهن. ثم ندمت على شكواها لأمها..

  تجلس على السرير، تمد بصرها نحو النافذة، أمها قد منعتها الخروج إن لم يرافقها أحد، وهي تريد مزيدا من الوحدة، مزيدا من العزلة في عالم من طبعه أن يعج بالناس.. تريد ٱستغلال اللحظة، فهي عشية جمعة مشمسة، والناس خامدون في بيوتهم.. الحركة خارج المنزل خافتة إلا من صوت مجرفة بيد عامل بناء، طنين ماكينة حدادة، وماكينة نجارة.. كلها أشياء إعتادتها منذ صغرها وصارت ضمن الصمت، كما صار الناس الغرباء في الشارع ضمن وحدتها على أية حال. فكرت في ضجيج الآلات الذي ٱعتادت، إذ لم تعرف ما الفكرة التي تضايقها فعلا، رأسها وصدرها يعجان بالأفكار، أفكار مسمومة بفعل السرطان وبفعل الدواء نفسه.. دار في مخيلتها، أنها إن طال عمرها فستصير يوما ذاك الشخص الذي يرعب الجميع، نحيلة لدرجة تجعل تفاصيل عظامها ومفاصلها، حدقتي عينيها، يبرزون بشكل واضح، هل هو فوبيا القبح، أم فوبيا تميزها عن الباقين بشكل سئ فقط.. صفعتها الأفكار تلو الأفكار، أهذا ما يهمها في اللحظة الراهنة، أم أنه حلم بالتعافي والإستمرار على قيد الحياة، يوحيه خيالها المتفائل ولو ضمن صورة بشعة، كم أنت قاسية أيتها الحياة في وجهها حتى وأنت متفائلة.. الأفكار جعلتها تبتسم.. حدثت نفسها بصوت مرتفع "الهم إذا كثر أضحك"، إستمرت في ٱبتسامتها، تُقَوِّم ٱعوجاجها كلما عصت شفتاها عن التقعر، توقفت فجأة عن أفكارها وغاصت في لحظتها وفي ابتسامتها.." تهمني اللحظة الآن، يهمني ما سأفعله والخطوة التي أنا على وشك القيام بها حتى أخرج عقلي من دوامته، الأيام القادمة لا معنى لها إن لم أبدأ بشئ مهم ولو كان بسيطا".

شئ ما يدفعها للكتابة وها هي تنقاد خلفه، تحمل قلم الحبر، تخط في ورقة دون أن تتوقف عن التفكير.. تدرف الدمع.. وكأنها تغتسل مما كان يؤلم داخلها، كأنها تشكو، كأنها تبوح،تملأ الورقة تلو الورقة إلى أن أتمت أربعا، ثم جفت الدموع، تنهدت وكأنها لفظت حملا ثقيلا كان يجثم على صدرها.