إسمي ماريا مونتيسوري إيطالية الأصل أنا، جسدي قد غادر هذا العالم منذ 1952 و أنا في سن الواحدة و الثمانين، لكن أفكاري لازالت تنتشر و تتطور لأجل تحقيق السلام لهذا العالم. تخرجت من كلية الطب بروما بعد أن ترعرعت بين أحضان أسرة متعلمة، في عصر كان فيه من التقليدي أن تلتزم المرأة بمهنتي التعليم أو خدمة الكنيسة فقط ببلدي، فكنت بذلك أول امرأة تتوج بالدكتوراه في ايطاليا. ما جعلني أحظى بشهرة أولى إلى جانب نجاحاتي و تفوقي الاكاديمي، وشخصيتي المؤثرة كما يقال عني، فرشحت لتمثيل المرأة الايطالية و الدفاع عن حقوقها المسلوبة.

لم أكتفي بالنضال لأجل المرأة، فقد كان مما يؤرقني كذلك، الحالة المزرية التي يعيشها الاطفال من ذوي الاعاقات الذهنية في المراكز الصحية والتربوية، وذلك اثناء زياراتي لتلك المرافق كطبيبة مساعدة واستشارية مبعوثة من الجامعة التي تخرجت بها، ما دفعني وألح علي بالبحث في الأمر وتخصيص جزء من وقتي لطرق التربية الخاصة، اي الخاصة بذوي صعوبات التعلم. ولأن البحث النظري لا يكفي، ولكنه يبقى جزءا مهما، فقد تمكنت من التجربة و استنباط ملاحظات و دروس، و أنا اشتغل "مديرة لمدرسة التربية الذهني" إلى جانب أحد الزملاء و الذي سأرتبط به فيما بعد، و تمكنا بعد التجربة من تطوير الاساليب التعليمية لهؤلاء الصغار، وحققنا نتائج مبهرة.

        كيف حققناها؟ 

       إرتأينا جعل البيئة التي هم بداخلها و المحيطة بهم، أكثر تحفيزا لحواسهم و قبل كل شئ مشاعر البهجة و الفضول لديهم، ومنحناهم الكثير من الحب، فقد كنت ولا زلت أؤمن أن الحب هو السبيل لبلوغ أهدافنا الإنسانية و تحقيق الإنجازات المبهرة، "وهو الذي يجعل الواجب الإجتماعي للمعلم يتحول إلى مهمة ذات شعور سام". وأصبح بامكان الكثير من الاطفال ذوي الاعاقة خدمة انفسهم و القيام بانشطتهم الاعتيادية بكل استقلالية، واضيف في هذا السياق أن "نجاح الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة و قدرتهم على مناقشة الأطفال العاديين إنما يرجع إلى عامل واحد فقط و هو أنهم تعلموا بطريقة مختلفة ".

قضيت أربع سنوات و أنا أغوص في أعماق التربية و التعليم الموجه لذوي الإعاقات الذهنية، من خلال التعرف على تجارب السابقين، كالأطباء سيجوين و ايتار، وبريرا، الذين جعلوني أتعرف على مختلف الاسباب لصعوبات التعلم، سواء منها الذهنية أو العضوية و أقدم لهذا المجال ذرر من الدروس و التقنيات و الخدمات، خلال هذه المرحلة توطدت علاقتي بجوسيبي مونتيسانو، زميلي الذي ذكرته سابقا، و انجبنا ماريو، ابني الوحيد الذي سيكمل رفع مشعل مونتيسوري.

        في بداية الثلاثينيات من عمري، قررت ترك العمل في مجال الإعاقة الذهنية و انتقلت بعقلي لاكتشاف فلسفات التعليم و تقديم محاضرات في هذا المجال بالجامعة، دون أن اتخلى عن واجب تقديم الاستشارات في مجال التربية. و قد لعبت التغيرات التي عرفتها البنية الاقتصادية و الاجتماعية بإيطاليا دورا في عودة تألق إسمي من جديد، وذلك بإحتواء شريحة مهمة شكلت في تلك الظرفية عائقا أمام الشركات المتضررة من عبثها بممتلكاتها، فيما رأيتها أنا مستقبل السلام للعالم، فما الأطفال إلا الإنسانية بذاتها.

    " كاسي دي بامبيني"..بيت الطفولة

       ردا على طلب تلك الشركات، أسست بيت الأطفال الذين ينشغل عنهم أولياؤهم بالعمل، فلا يجدون بديلا عن ذلك، غير اللعب و العبث ببنايات الشركات، سميت المنشأة " كاسي دي بامبيني" و كانت مؤسسة تربوية تعليمية تقوم على " التربية الذاتية"، وقد كان منهجي الذي يقوم على إعطاء فرص أكثر لمزاولة أنشطة الحياة ،مختلفا بشكل كبير عن عملية التلقين التقليدية، التي هي في أغلب الأحيان أقل إثارة لحواس الطفل وأبطأ تأثيرا.

       كبر إنجازي وتضخمت بنايات "كازا دي بامبيني" و انتشرت في إيطاليا أولا ثم ببلدان أخرى من أوروبا، و كان اسمي يرافق كل انتشار ويعرف مع كل تحول لاساليب التربية لما سمي "منهج مونتيسوري".

مع تفاقم التأثير الايجابي لما قدمته، تفاقم طموحي أكثر، ما جعلني أنقل الشعلة لغيري من الطلبة و المربيين، في أول دورة تدريبة لفائدة حوالي مائة شخص، تبلورت خلالها مزيد من الأفكار و التجارب، دونتها وغيرها في أول كتاب لي بعنوان " منهج مونتيسوري، فعرف مؤلفي ذاك إقبالا واسعا، توالت بعدها ذلك مؤلفاتي خدمة لهذا المجال، فنشر لي و ترجم بعدة لغات كتاب "طريقة مونتيسوري المتقدمة" ، "التربية لعالم جديد" ،"سر الطفولة" و "العقل المستوعب"...

فاستكملت بذلك اسهاماتي بين البحث و التجربة و التدريب و التأليف، و المحاضرة، و المناضلة كذلك..

خلال الفترة الاخيرة من حياتي لم اتوقف عن العطاء، رغم ما عرفته المنطقة التي قررت أن استقر فيها مع ابني و أحفادي، إلا أن سوء المعاملة التي قوبلت بها، و أدت لغلق مؤسساتي هناك ومحاربتي، بعد أن رفضت بيع إنجازاتي لأهداف سياسية محضة، جعلتني ككثير من الاسر و العائلات الاسبانية اهاجر، حيث أجد بعض الاستقرار و أتمكن من إتمام رسالتي للعالم، رسالتي التي لقنت اياها ابني واحفاذه و لم أخب،

هل كانت حياتي سهلة و هل قوبلت بالعرفان طوالها؟

لم يكن الأمر كذلك، و قد التقيت ببعض البشر الذين لم يقدروا أعمال أو حتى حقوقي، بل دخلت في لعبتهم السياسية و الانتقامية، فسجن ابني أثناء رحلاتنا التكوينية، و منعت من رؤيته و اسرته الى أجل قادم. 

    خلال إقامتي الجبرية أو إن شئتم سميتموها عزلي، لم أتوقف عن التفكير و جعل كل قواي تنشغل بازمتي، بل تساءلت و أفضى بي تفكيري لاكتشاف منهج تعليمي تكميلي آخر لما سبق، و هو يعرف الآن بمنهجها الكوني، و يعتمد بالأساس على كون إهتمام الطفل لا يجب أن يركز بالقوة على شئ ما، بل إن الطفل له الفضول لإكتشاف محيطه، ما سيدفعه للتركيز على المكونات الجزئية، ثم يعود بكل استقلالية للتعرف على المحيط العام، و من خلال هاته النظرة ينشأ الطفل واعيا بدوره كفرد وسط هذا الكون ويحقق التعايش مع باقي المكونات.

هذا ما سعيت إليه دائما، منذ طفولتي و من خلال التجارب التي عشتها فيما بقي حتى مماتي، ولم تكن سهلة أو ضئيلة، وهذا ليس استثناء، فقد عاصرت المخترع توماس اديسون وغراهام بيل و العزيز غاندي، وأشخاصا عظماء، لكنني كنت أيقونة نون النسوة آنذاك.

 و الآن، وأنتم ترون إنتشار أساليبي ومنهجي سواء في دول فقيرة أو أخرى غنية، هل تعتقدون بتحقق سعيي في نشر السلام؟ أؤمن دون شك أن الذين علمتهم، هم من بلغوا رسالتي بعدي ونشروا الحب في قلوب الإنسانية كما فعلت سابقا.

هل أعتبر نفسي من الشخصيات العظيمة المؤثرة في العالم؟ وبعد ما رويته عن نفسي، يقال أن "العظيم بحق من يشعر الجميع في حضرته بانهم عظماء." و أظن الجواب يملكه أطفال العالم.

وقبل الوداع أعزائي، أختم برسالتي على الدوام: "لقد قضيت حياتي في البحث عن الحقيقة من خلال دراسة الأطفال، لقد فحصت الطبيعة البشرية في أصلها في الشرق و الغرب على حد سواء. وعلى الرغم من أربعين عاما مضو منذ عملي، الطفولة لا تزال تبدو لي مصدرا لا ينتهي من الكشف-اسمحوا لي أن أقول- و الأمل" و "أتوسل إلى جميع الأطفال الأقوياء أن يتحدوا معي لبناء السلام في الإنسان وفي العالم".


المصادر:

https://www.ida2at.com/maria-montessori-you-do-not-know/

http://wessam.ba7r.org/t9323-topic

http://montessoritraining.blogspot.com/2009/02/montessori-and-cosmic-education.html