جلست إليهن على مقعد الإنتظار،كان االجوع يعذب معدتي، ثلاثتهن في مقتبل العمر، إلا الرابعة التي التحقت بحديثنا فيما سيأتي, نظرت أولاهن، وكانت ذات بشرة سمراء، ليد الثانية وقد بدا أنها تضع مرهما أبيض اللون، أو معجون أسنان، لا أدري، صرخت بصوت خفيض، احتراما للمصلحة التي كن بها: ما الذي صار ليديك؟ ربي سلم .. سلمك الله ونجاك، حرقة فرن بسيطة، هي أمر إعتيادي، ردت صاحبة الندبة على اليد .. بسيطة! وقد يحتقرها الكثير، لكن لا تغفلي عن علاجها فقد تتحول لا قدر الله لمرض  خبيث.. لا قدر الله، ردت صاحبة الندبة مذعورة ..بدا أن السمراء تبالغ، وجعلتهن يخرسن بذكرها المرض الخبيث، و كأنهن غصن يفكرن كيف لندبة فرن حقيرة أن تصير ورما خطيرا أو تنهش العظام. 

        قاطعت السمراء صمتهن وهي تروي قصتها مع الندبة: ذات يوم استيقظت باكرا نشطة كوردة متفتحة أعددت الفطور لي و لزوجي ورحت أعد الخبز، لكنني وأنا على وشك وضع العجينة بالفرن، لامستني صفيحته وقد كانت تتسعر حرارة، صرخت ونظرت إلى موضع الحريق الغائر على ذراعي، انفلتت دموعي واسقطت صحن الخبز، ناديت زوجي الذي أسرع لنجدتي، طمأنني وراح مسرعا لاقتناء مرهم ندبات الحرائق، وضعه على يدي، ولم أكمل يومها فعل أي شئ من أشغال المنزل، أكمل هو خبز العجين وتحضير الغذاء، فيما عبرت عن سخطي من أعباء شغل الدار، وما كان منه إلا أن دللني وتناولنا عشاء على جنب البحر ليلة تلك الواقعة، وكلما ضجرت من خدمة المنزل وأهله، أريه الندبة و بعدها ندبات خفيفة أخرى فأفوز بالحنان و الدلال، ككل مرة، هكذا هم الرجال علينا ان نخترع القصص للفت انتبابهم.. استمعن إلى حديثها بآذان غير مصغية، فأسلوبها كان يبدو متصنعا وهن لم يكن من بنات الدلال.

      أقبلت رابعة علينا وكانت ربما في الأربعينات، جلست فأشارت السمراء مرة أخرى إلى يدها، وقالت: كنا نتحدث عن ندبة الفرن للتو، و أرى أنك لازلت تعانين من آثارها، أنصحك.. قاطعتها الأربعينية، إنني لا أتأفف من أثارها، بل أفخر، وليست أكثر أهمية مما أجنيه في اليوم مقابل عملي كخبازة، فأحفظ به كرامتي و أبنائي من الفقر و العوز، أنظرن، إن الندبات كثيرة لكنني لا أذكر متى حصلت عليهن، هه، ضحكت واسترسلت تسوق لسلعتها، مخبزتي بالشارع المقابل، أرحب بكن و بطلباتكن جميعها من خبز و حلوى و فطائر، أنتظر زيارتكن،أعجبن بها، لكن ما فتئت تتم كلامها حتى نودي بإسمها فغادرتنا. 

        خرجت أصغرهن سنا عن صمتها، و أظنها حديثة العهد بالزواج، قالت: عندما كنت أدرس كنت أتباهى بأول ندبة من صفيحة الفرن، كنت أقبل على الفتيات و عن عمد اجعلهن يلحظنها، فيسألنني، و بكل زهو أجيب متباهية، إنني كنت أخبز الحلوى فأحترقت، أساعد أمي في عمل المنزل، أنا كما تقول "شاطرة" و كل نساء العالم يتمنيني زوجة لأبنائهن.. تغير نبرتها بحسرة.. كنت غبية عندما ٱعتقدت أن الزواج شطارة في أعمال المنزل، و ها أنا الآن أعاني من آثارها بعد أن شوهت بياض يداي فينتقدني زوجي، من تملي علي وصفة أسترجع بها جمالهما وأحفظ بها زوجي من النظر إلى غيري؟.. خاطبت نفسي حينها، لكنك مازلت غبية عندما تعتقدين أن الزواج ليس إلا جمال الجسد، وربما أنت وزوجك و والدتك ووالدته أغبى.

تلاشى ما بقي من حديثهن عن مسمعي، و رحت أفكر كذلك في ندبة صفيحة الفرن خاصتي، أذكر موضعها وإن تلاشت الآثار، أعلى سبابة يدي اليمنى، يومها كنت أراقب تحولها في فضول، انبعثت رائحة شواط، و انسلخ الجلد الخارجي و تلألأ بعض الشحم الذائب، كنت أنظر في تقزز وفضول، هاهي تحمر ثم تصير زرقاء ثم تسود وتتلاشى الندبة خلال اسابيع، تباهيت بها لما قدمته من خدمة في سبيل العلم و الاكتشاف. أنهيت سرحان مخيلتي، وعدت إلى حديثهن الذي ختمه رجل كان يقف بالمحاداة، نعوذ بالله من عذاب في الدنيا وعذاب في النار. قلت آمين و غادرت بعد أن تبين أنني لن ألحق الخدمة، وأنا لاأزال أتضور جوعا، خرجت مخاطبة نفسي في سر: تتعد القصص و الندبة واحدة، أهي قصة دلال، أم قصة لقمة عيش، أم قصة غباء، أم مختبر ٱكتشاف، أم نافذة من نوافذ جهنم؟ أيها كانت تأثيرا؟

تلك  التي تجاهد فيها الاربعينية الفقر، فتربح قوت يومها، وتستغل حديث الجموع لتسوق منتوجاتها، ثم تغادر على عجل للقضاء مآربها.